الرئيسية > رأي عام > مقالات > أبيدجان: وَصْفة العبور من سنوات الجمر إلى سنوات السِّلم
وجدان بو عبدالله (تونس)

أبيدجان: وَصْفة العبور من سنوات الجمر إلى سنوات السِّلم

الأربعاء ٢٠١٨/٥/٠٢م   |   ١٤٣٩/٨/١٧ هـ

 

المُدن مرايا لسكانها ولِما تخبِّئه قلوبهم. ظلمات المدن هي انعكاس لأرواح سكانها، ونورها هو نورهم. لم أعرف مدينة أبيدجان، أهمَّ مُدنِ “كوت ديفوار” في الحرب الأهلية. لقد وصلْتُها بعد ذلك، وصلْتُها في “أجمل فتراتها” حسب قول الإيفواريِّين، وباستطاعتي أن أرى ذلك النور، يتسلل عبر ثقوب الأرواح التي تُصارع لتعيش.

خلْفَ غابات السافانا الكثيفة التي تنطق بِكرم الطبيعة، توارى شبح الحرب إلى الخلف، أو هكذا يبدو حاليًّا. الحياة تسير هنا بشكل سَلِس ومُسالم، رغم الرهانات التي تطرحها هذه المرحلة السابقة للانتخابات. فأكثر الصراعات عنفًا حدثت هنا قُبَيل الانتخابات أو خلالها، وما ظهور السيارات العسكرية المكشوفة، على الطريق السريعة التي تربط شِقَّي أبيدجان، وهي تنقل جنودًا مدجَّجين بالسلاح، إلَّا تذكير بحساسية هذه المرحلة.

قامت الحرب الأهلية الأخيرة بين عامَي (2010-2011)، نتيجة الصراع على السلطة، بين رئيسٍ فشل في الانتخابات (لوران كباكبو)، ورفَض مغادرة الحكم، ورئيسٍ منتخَب (الحسن واتارا) الذي استخدم بدوره العنف من خلال ميليشياته، لإقناع غريمه بـ”ضرورة احترام الديمقراطية”. مشهد يتكرر في القارة الأفريقية منذ عقود، وكأنه قدَر الأفارقة. كن هذا المشهد على سوداويته، قدَّم لنا دروسًا في قدرة الشعوب على تضميد جراحها بنفسها، مَهْما توسعت رقعة آثام الحكام.

المصالحة التي نجحت كوت ديفوار في إبرامها بين مختلف المتنازعين السياسيين، لم تكن مصالحة سياسية فقط، بل مصالحة اجتماعية، أعادت اللُحمة إلى النسيج الاجتماعي الذي مزقته النزاعات المسلحة.

المجتمع الإيفواري الذي يقدم مشهدًا جميلًا للتعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين، لم يكن الصراع فيه بين دِينَيْن، بل بين أَفْرقاء سياسيين، كحال معظم الصراعات في السنوات الماضية. فالدين مجرد عباءة يتدثر بها المتخاصمون للتصعيد، وجلب الأنصار، وتقسيم البلد.

لكن اللافت في كوت ديفوار هو تلاشي الفُرقة بين المكونات الدينية في المجتمع: الكنائس تُجاوِر المساجد، وقرعُ الأجراس يعانق الأذان، وتبادُل التهاني بين المسلمين والمسيحيين في الأعياد الدينية لا ينتظر فتوى من أحد، بل ينساب بسلاسة وعفوية لأنه خُلق في رحم المجتمع منذ عقود، حتى الإسلام الذي شاهدتُه هنا، لا شِدَّة فيه ولا غُلوّ. رأيت نساء يصلِّين خلف الرجال في الشارع، فلا هُنَّ عورة و”لا هُمْ يحزنون”. شاهدتُ عبارات صوفية بالمئات مكتوبة خلف سيارات التاكسي: “يا لطيف” Ya latif، كشواهد على جذور التصوف الديني الذي دخل البلاد قبل عقود، فهذَّب الأرواح، وقلّم أظفار التطرّف والخشونة.

هذه السلمية التي تتناقض مع الأحداث الدامية التي عرفتها كوت ديفوار، هي سر نجاح المصالحة، التي ما كانت لترى النور لَوْما كانت مكونات المجتمع جاهزة لها لاحتوائها، على بذور الاعتدال والوسطية. المصالحة التي يقول المراقبون إنها ما زالت “هشَّة”، بل ربما مهدَّدة مجدَّدًا مع اقتراب الانتخابات، لا صِمَام أمان لها سوى المواطنين والمهاجرين، الذين اتخذوا من كوت ديفوار موطنًا لهم.

“الغربة داخل الوطن نذير انطفاء وشيك”، هكذا كنتُ أُتَمْتم في نفسي وأنا أشدُّ الرحال من وطني تونس إلى كوت ديفوار، لكني أعدتُ اكتشاف وطني هنا، وعددتُ النِعم الكثيرة في بلدي، التي لا نشكر الله عليها. أنا الأفريقية بحثتُ عن نفسي خارج قارَّتي، فوجدتُها هنا. قَبْلها كنتُ كحال الكثير من الأفارقة، نتذكر انتماءنا إلى أفريقيا أثناء الكأس الأفريقية فقط. المجازر لا تهمنا، المشرَّدون لا يُهموننا، الناجون من الموت لا علاقة لنا بهم، ممارسة العنصرية تجاه أفارقة مثلنا أيضًا أمر لا يهمنا. في تونس تحديدًا، لدينا انفصام مَرَضي بين ما ندعيه من احترام لحقوق الإنسان، وما نرتكبه من جرائم كُرْه كلَّ يوم بحق سُود البشرة.

ننتمي إلى قارة تنخرها المآسي، لكن اختزال المشهد الأفريقي في الأوبئة والمجاعة والانقلابات العسكرية، ليس مُنصفًا على الإطلاق. هناك مشاهد أخرى في أفريقيا لنجاحات مهمة، كالثورات الاقتصادية في دول عاشت حروبًا إثنية مثل رواندا، التي تحولت إلى أنموذج مبهر، من كيفية العبور من مناطق القتال إلى مناطق السلام.

لن أنسى أني تعلمتُ الكثير في أبيدجان، ولا سيما من ابتسامات النساء الكادحات، وهن يحملن أواني الفواكه فوق رؤوسهن، زِنَتها عشرات الكيلوغرامات دون تذمُّر. منهن تعلمتُ أن السعادة نصنعها بأنفسنا، أيًّا كانت الأرض التي نقف عليها، وأيًّا كانت الحرائق التي تركناها خلفنا.

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.