أمينة خيري (مصر)

أحبك في الوطن

الثلاثاء ٢٠١٧/٦/١٣م   |   ١٤٣٨/٩/١٩ هـ

صدفة بحتة قادتني إلى مقال منشور على الشبكة العنكبوتية عنوانه “أساليب التبشير في المدارس وأثرها على الطفل المسلم”. وكما يتضح من العنوان، فإن المقال تحذير من “مغبَّة” إلحاق الأطفال المسلمين بالمدارس المسيحية، والتي جرى العرف على تسميتها بـ”مدارس الراهبات”.

مبدئيًّا لا غضاضة في طرح وجهة نظر، أو البحث وتحليل ملف المدارس ذات الطابع الديني، سواء إسلامية أو مسيحية أو يهودية أو غيرها. لكن الغضاضة تقبع في محتوى الحجج، ونوعية نواقيس الخطر، وتفنيد الآثار التي تلحق بالطفل المسلم الذي يتعلم في هذه المدارس.

“رفض الشاب أو الفتاة فكرة أن أهل الكتاب هم من الكفار لأن رفاقه وأصحابه من بينهم. هو أمضى معهم فترة زمنية طويلة، ويعلم أنهم يتمتعون بالأخلاق الحميدة؛ لذلك فهو يرفض مقولة إنهم كفار، وبالتالي فإنه قد يرفض في المستقبل محاربتهم أو جهادهم، وإذا فعل فإنَّ هذا قد يشعره بالألم”. “هو (خرِّيج هذه المدارس) يحاول كسب ودهم بشتى الوسائل، وتحت مختلف الشعارات، كشعار إلغاء الطائفية والعيش المشترك. هذا التعايش قد يكون على حساب المسلمين. فإذا أصبح مثل هذا الشخص مسؤولًا في أحد المراكز المهمة، فإنه يُقرِّب غير المسلم، ويُرقِّي غير المسلم، حتى لو كان المسلم أحق بالترقية”. “الرجل الذي يقرب الأعداء إليه، ينقلب السحر عليه”. “ولعزوف بعض المدارس الإسلامية عن تعليم اللغات الأجنبية، التي يجب على المسلم إتقانها إذا رغب في معرفة لغة عدوه، أثرُه في دفع بعض الأهل إلى اختيار هذه المدارس”. وهلمَّ جرًّا.

لا مانع أبدًا من مناقشة فكرة المدارس القائمة على أساس ديني، ولا مشكلة في طرح وجهة نظر تعارض المسألة برمَّتها، وإن كان التوجه السائد في مثل هذا المقال يشير على الأرجح إلى رفض المدارس الدينية القائمة على ديانة بذاتها، وإلى قبول مثيلتها التابعة لديانة أخرى. المثير للهلع هو التخوف من أن ينشأ الطفل المسلم وهو متشبع بفكرة أن زميله المسيحي ذو أخلاق حميدة، ما قد يعرقل الجهاد ضده. والمثير للقلق هو اعتبار اللغات الأجنبية “لغة عدو” الطفل المسلم. والمثير للعجب التخوف من أن الطفل المسلم قد ينشأ متشبعًا بفكرة أن صديقه “الآخر” يتمتع بأخلاق حميدة. والمثير للفزع اعتبار ترقية غير المسلم أمرًا كريهًا.

لكن لحسن الحظ أن مَواطن القلق، تقابلها مَواطن اطمئنان.

“مائدة المعلم حليم خليل” ليست كأي مائدة. فهي مائدة رحمن يقيمها مواطن مصري مسيحي، لإفطار الصائمين وعابري السبيل في محافظة المنوفية على مدار 15 عامًا. ومسؤولة الملف القبطي في أحد أهم المواقع الخبرية المصرية، صحافية شابة مسلمة. وإشبينات العروس المسيحية في الكنيسة محجبات. ومائدة الإفطار الصاخبة في المطعم الشهير، تحوي مايكل وأحمد ومارسيل وفاطمة. وصورة تخرُّج طالبات “مدرسة الراعي الصالح للراهبات” القاهرية، تحوي عشرات المحجبات. والأستاذ جورج لا يلجأ إلا إلى جاره الدكتور مصطفى ليداوي والدته المريضة. وعزاء المقدَّسة ماري صليب كان فيه من المسلمين أكثر من المسيحيين. وجيوش المتسولين الذين يجتاحون الشوارع في ساعات ما قبل الإفطار للدق على أوتار المتصدقين، تحوي مسلمين ومسيحيين، فالفقر لم يفرق بينهما.

وسائق الأجرة الذي ظل يخاطب الراكب الملتحي بـ”يا عمِّي الشيخ” طَوال الطريق، وفي نهاية الرحلة رفض أن يتقاضى أجرًا “حتى يحظى بالبركة”، لم يجزع أو يفزع حين اعترف له “العمّ الشيخ” مصارحًا إياه “أنا قسيس يا ابني”؛ بل ضحك كثيرًا، وأصرَّ على رفضه لتقاضي الأجرة. ومجموعة الأصدقاء والصديقات التي تتوجه في كل جمعة من شهر رمضان إلى تناول وجبة السحور في حيِّ الحسين الشعبي، خليط من مسلمين ومسيحيين.

فلا هؤلاء جاهدوا ضد أولئك، ولا أولئك اعتبروا هؤلاء أعداءهم، ولا هؤلاء وأولئك شغلوا بالهم بلغة العدو وترقية المسلم، ومصادقة المسيحي، وضرورة هزِّ وحلحلة عقيدة الآخر. لقد أحبوا بعضهم في الله، وكذلك في الوطن!

صديق صحافي ألماني عاش سنوات طويلة في منطقتنا العربية. عمل في المغرب وتونس ومصر ولبنان وسوريا والعراق على مدار ما يزيد على ثلاثة عقود. يقول إن المشكلة الرئيسية في منطقتنا تكمن في هذا التجاذب والتخانق والتنافس بين الهويتين الدينية والوطنية، وكأن إحداهما تلغي الأخرى بالضرورة، أو أن واحدة تهدد الأخرى. يبدو أن الحب في الوطن شحيح حقًّا.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.