وجدان بو عبدالله (تونس)

أدلجة الكراهيَة

الأربعاء ٢٠١٨/٩/١٢م   |   ١٤٤٠/١/٢ هـ

في ثقافة الكره، التعلُّقُ بالغريم أمرٌ حتمي. يتتَبَّع حركاتك وسكناتك، يَرصد كتاباتك (إن كنت تكتب)، أو يُؤوِّل صمتك، أو يَبتدع عناوين لهذَيانك. في ثقافة الكره، ذلك الآخر الذي يَمقتك، سيصنع منك هِوايته المفضَّلة، يخصِّص لها وقته، ويملأ بها فراغه. لا تستغرب، ذلك الآخر الذي لا تَعرفه بشكل شخصي، سيكرهك بشكل شخصيٍّ جدًّا. سيدَّعي أنه يَعرف الكثير عنك، بل يَعرفك أكثر من نفسك. سيَلُوكُك في حلقاته الخاصة، ويَجْترُّك خارجها. يَحدث كلُّ ذلك، وأنت غارق في ثقافة أخرى، عناوينُها أحبَّاؤك ومُحبُّوك. بهم ومعهم، تُواصِل حياتك.

ثقافةُ كرهٍ انفجرَت قبل أسبوع في تونس، بعد حفل زفاف. ثقافة شارَك فيها القاصي والداني، فكانت نقيض تلك اللوحة التي يروِّجها المجتمع التونسي عن نفسه. هو الذي يفتخر بأنه “الدِّيمقراطيّة الوحيدة في العالم العربي”.

الأمر يتعلَّق بعُرس، مع اختلاف بسيط عن بقية الأعراس. فلقد كان “عُرسًا ديمقراطيًّا”. مُصطلح “العُرس الديمقراطي”، يقترن في المُخيِّلة العربية بالانتخابات. لكني هنا أتحدَّث بِعُرس ديمقراطي حقيقي، بحَفْل زفاف جمَع بشكل لافت ونادر، في المكان ذاته والتوقيت ذاته، وُجوهًا متضادَّة في عالم السياسة: رؤساء أحزاب متنافرين ومتخاصمِين، وشخصيات سياسية من اليسار واليمين والوسط، وَوُجوهًا من نظام الرئيس الأسبق ابن عليّ، ووُجوه أشدِّ مُعارضيه، وشخصيات نِقَابيّة، ورجال أعمال، وفنَّانينَ، وكُتَّابًا.

هل هذه لوحة فانتازيا؟ بل القصة حقيقية. كلُّ ما في الأمر أن فنَّانًا شابًّا ملتزمًا ومُعارضًا، من أسرة عُرفت بنضالها من أجل حقوق الإنسان والتعدُّديّة الحزبية والديمقراطية، وجَّه الدعوة إلى شخصيات سياسية من مَشارب مختلفة، لحضور حفل زفافه. لكن ما أثار حفيظةَ الكثيرين، وأَسالَ حبرًا كثيرًا طَوال أيام، هو حضور رئيس حزب دينيٍّ حاكم، يختلف معه هذا الفنّان وأسرتُه. وكثيرًا ما انتقده بشدَّة، بل سخر منه، وهجاه مرّات عدَّة.

قامت الدنيا ولم تقعد، لأن هذه الشخصية حضرَت حفل زفاف شخصية يساريّة مُعارضة لها. لم يقف الأمر عند “الاستهجان” و”الاستنكار” من قِبَل مجموعة من المثقَّفين والسياسيِّين، بل تَحوَّل على مدار أسبوع، إلى سِباب وقَدْح للعريس وضيفه. كيف يجتمع الضدَّان، ويتصافحان، ثم يلتقطان صورة تذكارية، وهما يبتسمان؟

عجيبٌ كيف يسارع مَن انتقد خطاب الكراهية على المنابر الدينية، إلى ممارسة الكراهيَة ضد شخص، لأنه وجَّه الدعوة إلى مسؤول حزب ديني، ليحضر عقد قرانه! عجيبٌ كيف يَرفع بعضُهم شعار “Peace and love” في المَسيرات، ثم يَرفع شعار الكره والبغضاء في منشور “فيسبوكِيٍّ”، استخدم فيه جميع مُفرَدات قاموس الألفاظ النابيَة! عجيبٌ كيف ينادي شخص بمحاسبة مروِّجي ثقافة الإقصاء، ثم يمارس بِدَوره الإقصاء، ويُشَرعِنُه، ويستميت في الدفاع عنه! عجيبةٌ أدْلَجةُ الكراهيَة وممارستُها قولًا وفعلًا، من قِبَل مَن حذَّر مرارًا من خطورة خطاب الكراهية، على مجتمع حديث العهد بالديمقراطية!

الكراهيَة قد تصبح أسلوب حياة، لا يَشعر بخطورتها صاحبُها، لأنه مندمج تمامًا في مجموعة تُشْبهه، تُمارس الكراهية ضد فئة دينية مختلفة عنها، أو مجموعة سياسية تُعارضها، أو شخصية عامَّة لا تستسيغها. الكراهية ليست حكرًا على بعض الخطابات الدينية، بل إنها قد تَنزل من مِنبرها الخطابي إلى العامّة، وقد تتحوَّل لاحقًا إلى آلة حَصْد للأرواح. وقد شاهدنا هذا في كلِّ بلاد العالم دون استثناء.

الخطورة تَكمن في التفطُّن المتأخِّر لجِدِّيّة ثقافة الكراهيَة، وقدرتها على إراقة الدماء. فلماذا لا نحارب الكراهية إلَّا ساعة إطلاق الرصاص؟ هل يحتاج الإنسان إلى “شهيد”، ليؤمن بوجوب تطويق ثقافة الكراهية، كأنْ نَفهم مثلًا علامة تَحوُّل ذلك “العُرس الديمقراطي”، إلى سباق نحو تخوين شخصية، لأنها صافحَت مسؤولَ حزبٍ ديني؟

سمِعْنا كثيرًا بِـ “العُرس الديمقراطي”، وحين حدَث فعلًا، لم يرحِّب به كثيرون، بل أنتجوا لنا كارثة أخلاقيّة، تَساقَطت فيها وُجوهٌ وأقلام، كانت تدَّعي أنها ديمقراطية. الديمقراطية ثقافة، وليست فقط ممارسة انتخابية، أو فعلًا سياسيًّا. الديمقراطية تبدأ من الفرد، حين يتقبَّل الآخرَ المختلف عنه، ويسير معه على الرصيف ذاته، ويَحضر معه حفل الزفاف ذاته، دون وازع عنف أو حقد أو ضغينة.

قليلون أولئك الذين يَفصلون بين الاختلاف الأيديولوجي والسياسي، والواجب الأخلاقي والإنساني. فتحيَّةً للنادرين الذين يحافظون على إنسانيتهم، في زجاجات شفَّافة غير قابلة للكسر، ويتفقَّدون منسوبها من وقت إلى آخر. إنهم يَمنحون هذه الحياة طَوْقَ نجاة، وهي تُواجِه مَوج حبِّ الذَّات.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.