الرئيسية > رأي عام > مقالات > أشكال التديُّن وسياقاته البشرية
عامر الحافي (الأردن)

أشكال التديُّن وسياقاته البشرية

الإثنين ٢٠١٧/٨/٢١م   |   ١٤٣٨/١١/٢٩ هـ

يتأثر التدين من حيث هو مُنجَز بشري بسلوك الفرد ونسبيّة فهمه وانفعالاته، فالإنسان يضفي سماته الشخصية على طريقة فهمه وممارسته للدين؛ أما الدين في مستواه النظري كعقائد منجزة، فهو ينزع دومًا نحو المطلق بعيدًا عن ظروف التكوين وعالم الأسباب. التديّن من حيث هو مفاهيم عقلية وانفعالات نفسية، يمكن قياسها ووضعها في قوانين علمية عامة، تجعل من الممكن تفسير السلوك الديني والتنبؤ بما يمكن أن ينتج منه من أفعال وانفعالات في المستقبل.

يصعب دراسة التديّن بعيدًا عن دراسة الإنسان ومشكلاته الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، فالتدين في أشكاله المختلفة يعكس أزمات المجتمع، كما يعكس سعيه نحو الحرية والسلام. من السهل أن نلمح كثيرًا من التشابه بين أشكال التديّن رغم اختلاف المعتقدات الدينية، كما هو الحال في التشابه بين القديس أوغسطين وأبي حامد الغزالي والنزوع نحو التدين الروحي العرفاني، أو التشابه في التدين العقلي الفلسفي كما بين ابن رشد وتوما الأكويني، في حين يمكن أن نجد فرقًا كبيرًا بين تديّن ابن سينا وابن تيميَّة مع أنهما من أتباع دين واحد.

التدين الذي يجعل الإنسان في مركز اهتمامه، يمثل منطلقًا للإصلاح والتنوير في المجتمعات الإنسانية، خلافًا للتدين الذي يضع الكائنات الغيبية في مركز اهتمامه، فغالبًا ما ينتهي هذا الأخير إلى الانحطاط بالإنسان، ومصادرة عقله وحريته وإضعاف قدرته على الاندماج في محيطه الإنساني العام.

يمكن للإنسان أن يرتكس بسبب طريقة تدينه، فيعمد إلى أشكال من الهمجية تؤدي إلى اغتيال المغزى الروحي والأخلاقي للدين؛ وهذا ما يفسر سبب شراسة النزاعات الداخلية بين أتباع الدين الواحد. كما يمكن للتدين بمضمونه الحضاري والأخلاقي أن يسهم في معرفة الإنسان لنفسه، ويعينه على الارتقاء بعلاقاته بمحيطه الإنساني والطبيعي.

صناعة التدين السطحي والحَرفي تحظى برواج كبير في ظل النظم الدكتاتورية؛ وهذا الذي يؤكد أن أخطر أمراض التدين تتصل بمشكلات سياسية من الداخل، نتجت من استعمال الدين في سبيل العلوِّ والاستعلاء. يمثل التدين الروحي حالة استثنائية في المجتمعات ذات التكوين العشائري، أو المجتمعات التي تعاني نزاعات عرقية أو طائفية. ففي أغلب الأحيان يسعى التدين في هذه المجتمعات إلى تقوية الإحساس بهوية الجماعة وشحذ هِمم أفرادها، للدفاع عن حقوقها ومكتسباتها.

 وأمام اتّساع التراث الديني وتنوعه، فإن المجال يبقى مفتوحًا أمام الفرد لانتقاء نمط من التدين الجاهز، الذي ينسجم والدوافع النفسية والنفعية له. ومن هنا فإن خيارات الخير والشر تبقى ماثلة أمام الإنسان، ولا تنتهي بإعلان تدينه واتِّباعه لديانة محددة.

ومن أهم النتائج التي لاحظتُها أثناء دراستي للحركات الدينية اليهودية قبل سنوات، هي أن التائبين الجدد “بعلي تشوفاه” يمثلون أكثر الفئات جنوحًا للتطرف والعنف في الحركات الدينية اليهودية، وهذه الملاحظة يمكن إيجاد شواهد كثيرة على صحتها في حالة التنظيمات المتطرفة في المجتمعات الإسلامية. فالإحساس بالذنب وعظم الخطايا يمكن أن يحمل المتدين الجديد على اقتراف أي شيء، في سبيل تحقيق ما يظنه خلاصًا وقبولًا من الله!!

التدين الذي يَنتج من الخوف من الموت أو القلق على المصير، هو أكثر عرضة للحَرفية والتعصب، ويسهل توجيهه والتحكم فيه. وهذا خلافًا للتدين الذي يقوم على تجربة روحية فردية، فهو أقرب إلى الإحساس بالقيم الإنسانية الجامعة، واحترام التمثلات المختلفة للتدين في إطارها الإنساني الأوسع.

يبقى التدين بأشكاله المختلفة شاهدًا على مدى قدرة الإنسان على إدراك المضامين العميقة للدين، ومن هذه المضامين أن من يعبد الله بعشق الروح والإنسان، ليس كمن يعبده بحد الحرف والطغيان.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.