أحمد ناجي (اليمن)

أنا أفضل من الآخر

الأحد ٢٠١٧/١٢/١٧م   |   ١٤٣٩/٣/٢٩ هـ

 

يبدو أن عقدة الأفضليّة العِرقيّة أو الدينيّة التي تدّعي العديد من المجتمعات امتلاكها، كانت السبب الأبرز لظاهرة الصراعات العبثية المنتشرة في معظم دول العالم، إذ تدفع هذه العقدةُ المتبنِّين لها إلى ممارسة سلوكيات تحتقر الآخرين وتمتهن كرامتهم، وتجعلهم يتعاملون مع الآخرين بفوقية مقيتة؛ لِكونهم يفتقرون إلى ميزات جينيّة، أو يفتقدون الحقيقة الكاملة التي يدّعي مُتبنُّو هذه العقدة حيازتها، وأيضًا تجعلهم ينظرون إلى المختلف بدونية مفرطة تؤسس للإقصاء والتهميش؛ لِكون المختلف متخلّفًا من وجهة نظر أصحاب هذه الثقافة.

وفقًا لنصوص القرآن الكريم، فإن الخطيئة الأولى التي سبقت خطيئة الإنسان الأول، كانت فعل الشيطان الذي رفض أمر السجود معلِّلًا سلوكه بأنه من عِرق أو تكوين أرقى، وأعلن ذلك بلفظ {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}. لم يكن ادِّعاء الشيطان يتعلق بِسِوَى خيرية مادة التكوين الخَلقي، فعبَّر عنها بكلمات تحمل الفوقية للذات، والدونية للآخر.

لقد كان آدم هو الشخصية الأولى التي واجهت هذا النوع من التميّز، ومع ذلك تحولت هذه الثقافة إلى أسلوب حياة لدى الكثير من أبنائه، وما الأفعال العنصرية التي نجدها اليوم في الكثير من المجتمعات إلا ترجمة فعلية لصوت الخطيئة الأولى، والأسوأ من ذلك أن هذه الأفعال تُمارَس بشرعية دينية أو ثقافية لدى الكثير من الجماعات البشرية المختلفة.

إنّ الادعاء بالاصطفاء والخيرية وامتلاك الامتياز الإلهي على بقية البشر، يؤسس لحياة غير سوية، قائمة على الطبقيَّتَين الذهنية والواقعية بكافة صورهما، وما يحصل اليوم من حروب وصراعات في كثير من الأماكن في دول العالم، ليس سوى تَجلٍّ واضح لهذا الفكر، ويقف خلفها معتقدات من قبيل الفكر المقدس، والعِرق المقدس، وملكية الحقيقة المطلقة.

فالنازية مثلًا ارتكبت الكثير من الجرائم، وهي تحارب من أجل فكرة التصنيف البشري، وأحقية أَتْباعها بسيادة البشر. فقد وضعت العرق الآري الجرماني في قمة الهرم، متبوعًا بالأعراق القريبة منه في النسب مثل: البريطانيين، وشعوب الفيكينغ القاطنة بأوروبا الشمالية، ووضعت الغجر واليهود والروس في أسفل السلم، ثم قامت الفكرة الصهيونية لتَلُمَّ شتات اليهود، وتؤسس لاحقًا فصلًا جديدًا من ممارسات التمييز، بإقامة كيان على أرض محتلة، متجاهلة التنوع الثقافي والديني والعرقي لهذه الجغرافيا. ومن الغرابة أن الشعب الذي عانى اضطهادًا من النازية، أقام دولته على فكرة “شعب الله المختار”، ثم جاءت داعش المشغوفة بثقافة “سيادة العالم”، وإقامة دولة الإسلام، واستعادة الأمجاد المفقودة، لتضيف اسمها إلى قائمة الكيانات والحركات التي تخالف سنة التنوع في الحياة.

ولا تقف هذه العقدة عند العرق أو الدين بل تشمل انتماءات أخرى، لعل أكثرها شيوعًا ما يحدث في المجال السياسي. فالكثير من الأحزاب والأنظمة التي تدَّعي محاربة هذه الأشكال من الطبقية العرقية أو التمايز الديني، تمارس في نفس الوقت مجموعة كبيرة من الانتهاكات ضد المكونات السياسية الأخرى، ولا تعدم عذرًا لتبرير هذه التصرفات. فالمعارضة السياسية التي تُعتبر أحد أرقى مظاهر العمل الديمقراطي، ووسيلةً تَعبُر من خلالها المكونات غير المشاركة في إدارة الدول، صارت تُجرَّم لدى العديد من الأنظمة السياسية لا سيما العربية منها.

ودَعُونا لا نذهب بعيدًا، فقد نكون في تصرفاتنا اليومية نمارس ما تمليه علينا هذه العقدة بقصد أو دون قصد. فمن يختلف معنا في الدين أو المذهب، فقد يحظى باحترام أقل أو تعامل غير لائق؛ ومن لا يشبهنا في العرق أو الثقافة، فقد يجد منا قطيعة اجتماعية غير مبررة؛ ومن لا تتطابق وجهة نظره السياسية معنا، فقد نعامله بطريقة فجّة أو نجعل الكراهية هي الطريق التي تَصِلُنا به؛ ومن يعمل في بعض الوظائف، ننظر إليه على أنه بشر من الدرجة الثانية.

إنَّ تبنِّي هذه العقدة سواء من الأفراد أو الجماعات يُلحق الأذى بهم أوَّلًا، ثم بالمجتمعات من حولهم ثانيًا. إنه يمثل الخروج من جنة التنوع والتفاعل مع بقية البشر في ظل الأخوة الإنسانية الجامعة، إلى نار العنصرية والأنانية المقيتة، التي لم تسجل نجاحًا واحدًا في تاريخ البشر. فكل المشاريع الضيّقة انتهت بالسوء في نهاية المطاف، أو احترقت بنيران الكراهية في منتصف الطريق.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.