عامر الحافي (الأردن)

أَكرِم أباك وأمك

الثلاثاء ٢٠١٨/٣/١٣م   |   ١٤٣٩/٦/٢٦ هـ

مِن أعظم الجوامع التي يتفق عليها عموم أتباع الأديان، اتِّفاقُهم على “إكرام الوالدين”. ففي الديانة الكونفوشيوسية على سبيل المثال، نجد كلامًا جميلًا لكونفوشيوس يوضِّح فيه واجبات “الابن البارّ” تجاه والديه، سواء في حياتهما أو بعد وفاتهما، وتتمثل هذه الواجبات بـ”إبداء أقصى الاحترام على الدوام تجاه الأهل، وأن يُقدَّم لهم أفضل ما يحبونه من الطعام، والجزع واللهفة حين يمرضون، والأسف من الأعماق على وفاتهم، وتقديم القرابين لهم رِفْقة حفل ديني (بعد موتهم)”.

أمَّا في الأديان الإبراهيمية، فقد جاء في الوصية الخامسة من الوصايا العشر التي تُمثِّل جوهر شريعة موسى: “أكرِم أبَاكَ وأُمَّك لكَي تطُولَ أيَّامُك علَى الأَرض التِي يُعطِيك الربُّ إلهُكَ” (خروج 20: 12). واللافت للانتباه، أن ذكر التوراة لأثر إكرام الوالدين في زيادة الأعمار والأيام، نجده حاضرًا أيضًا في الحديث النبوي الذي يقول: “صِلةُ الرَّحم، وحُسن الخلُق، وحُسن الجِوَار، يَعمُرنَ الدِّيار، ويَزِدنَ في الأَعمار” (رواه أحمد والبيهقي). كذلك يؤكد بولس الرسول أثر ذلك الإكرام ويعتبره أول وصية تتصل بِوَعد: “«أَكرِم أَباكَ وَأمَّك»، الَّتي هِي أوَّلُ وَصيَّةٍ بوَعدٍ” (أفسس 6: 2). ولعل الترغيب في زيادة الأعمار لمن يكرم والدَيْه، قد لا يكون بمعناه الزمني المادي، بقدر ما يكون بهناءة العيش وطيب الحياة التي سينعم بها نتيجة عمله الصالح.

وليس غريبًا أن يذكر القرآن هذه الوصية العظمى في سورة الإسراء، والتي تسمى أيضًا سورة بَنِي إسرائيل، في قوله تعالى: {وقضَى ربُّك ألَّا تَعبدُوا إلَّا إيَّاهُ وبالوالدَينِ إحسَانًا} [الآية: 23]. وفي ذكر الإحسان للوالدين مقترنًا بعبادة الله وحده، تأكيد القيمة الجوهرية لهذه الوصية الجليلة، فهو أول سلوك عملي في عبادة الله الواحد، بل لعل الإحسان بالوالدين يمثِّل أرقى مظاهر العبادة لله.

من الآيات القرآنية الشاهدة على عظمة مقام الوالدين، نجد بعضَها يحثُّ المؤمنين على الإحسان لآبائهم حتى وإن كانوا مشركين، أو كانوا يحُضُّون أبناءَهم على الشرك، كما في قوله تعالى: {وإِن جَاهداكَ علَى أَن تُشرِكَ بِي ما لَيسَ لكَ بهِ عِلمٌ فلَا تُطِعهُمَا وصَاحبهُمَا فِي الدُّنيا معرُوفًا} [لقمان: 15]، وهذا يدل على أن الاختلاف في الاعتقاد لا يُسقط حقوق الآباء على الأبناء.

وفي الوقت الذي أصبحنا نستمع فيه، لقصص حول الإساءة للآباء والأمهات على أيدي أبنائهم، نستذكر ما جاء في النصوص الإسلامية والمسيحية واليهودية، حول خطورة الإساءة للأبوين. فقد نصَّت التوراة على أن عقاب من يشتم أباه أو أمه هو القتل: “وَمَن شتمَ أبَاهُ أَو أمَّهُ يقتلُ قَتلًا” (خروج 21: 17)، وأيضًا لعنت التوراة من يستخفُّ بوالديه: “مَلعونٌ مَن يستَخِفُّ بأَبيهِ أَو أمِّهِ” (تثنية 27: 16). أمَّا القرآن، فقد شدد على تحريم أي إساءة للأبوين مَهما كانت تبدو بسيطة، كقول كلمة “أُفّ”، فقال تعالى في ذلك: {فلَا تَقُل لهُمَا أُفٍّ ولَا تَنهَرهُمَا وَقُل لهُمَا قَولًا كرِيمًا} [الإسراء: 23].

ومن الدلالات الروحية التي تعمِّق قيمَتَي الأبوَّة والأمومة، نذكر هنا وصف القرآن الكريم لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، بأنهن “أُمَّهات” المؤمنين: {النَّبيُّ أَولَى بِالمُؤمنينَ مِن أَنفُسِهِم وأزوَاجُهُ أُمَّهاتهُم} [الأحزاب: 6]. وهذا يعني أن النبي هو بمنزلة “أب” للمؤمنين، وفي هذا الصدد يقول ابن كثير في تفسيره: “وقد رُوي عن أبيِّ بن كَعب، وابن عباس، أنهما قرَآ: “النبي أولَى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجُه أمَّهاتُهم وهو أبٌ لهم”.

إنَّ شكر الخالق يتصل بشكر الوالدين، فمن لم يستشعر قيمة والديه وفَضْل شكرهما، فإن قدرته على استشعار شكر الخالق الأعظم ستكون بعيدة المنال. فخروج الحياة من رَحِم الأم يمثِّل تجسيدًا عمليًّا لاسم الله “الخالق”، وأيضًا تمثِّل رعاية الأب وسعيه لرعاية تلك الحياة تجسيدًا آخر لاسم الله “المنعم”. وفي هذا السياق، نفهم معنى الحديث القدسي: “أنا الله وأنا الرحمن، خَلقتُ الرَّحِم وشقَقْتُ لها اسمًا من اسمي” (متفق عليه).

لقد كان يمكن لله أن يستمر في خلق الإنسان من طين كما خلق الإنسان الأول، لكن حكمته اقتضت أن يَخلق الإنسان في رحم إنسان آخر؛ ليكون الإنسان هو حقًّا ذلك “المختصر الشريف”، الذي يختزل قصة الكون كله.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.