الرئيسية > رأي عام > مقالات > الأرض أُمّ عقَّها أبناؤها
عامر الحافي (الأردن)

الأرض أُمّ عقَّها أبناؤها

الثلاثاء ٢٠١٧/١١/٠٧م   |   ١٤٣٩/٢/١٨ هـ

ينسجم النظام الكوني وما فيه من موجودات مع وجود الإنسان واستمرار حياته على الأرض، وقد مثَّل ذلك منطلَقًا لشعور الإنسان بالإيمان بقوة حكمية تقف وراء هذا العالم وترعى شؤون الحياة، وهذا ما أسماه ابن رشد بدليل العناية، وهذا يعني أن الاستمرار في تحقيق ذلك الانسجام يمثل تأكيدًا لإرادة الله. وقد استمد ابن رشد هذا الدليل من القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا، وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا، وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا، وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} [النبأ: 6-16].

أسندَت كثير من الأديان مسؤولية إعمار الأرض إلى الإنسان، نحو: {هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، وفي التوراة: “وبارَكَهم الله وقال لهم: أثمِروا واكثروا واملأوا الأرض، وأخضِعوها، وتَسلَّطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدبُّ على الأرض” (تك 1: 28).

إن الحفاظ على الأرض والحياة الطبيعية، هو مقصد شرعي يتضمن تحقيق المقاصد الخمسة التي تقوم عليها عموم الشرائع السماوية، وهي: حفظ النفس، والعقل، والدين، والنسل، والمال. والإفساد في الأرض هو نقيض لكل تلك المقاصد، وهو التعبير الأسوأ عن الابتعاد عن الله ومخالفة أمره {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205].

من أهم المعايير التي تشير إلى تقدم الدول والمجتمعات، هو قدرتها على تحقيق الانسجام مع الطبيعة، ولا يرتبط ذلك الانسجام بالضرورة بتطور وسائل الإنتاج وزيادة عدد المصانع والمرافق. ومن هذا المنطلق نرى أن المدنية المعاصرة رغم إنجازاتها العديدة، إلا أنها أساءت إلى الطبيعة واستنزفت خيراتها، وأنتجت أصنافًا من الأسلحة الفتاكة والنفايات المشعة والمواد السامة التي دمرت وما تزال تدمر الكثير من أشكال الحياة على الأرض.

تُمثل أخلاق الإنسان تجاه الطبيعة أرقى أشكال السمو الأخلاقي، فمن يُحسن للكائنات الحية من أشجار وطيور، فإنه أقدر على الإحسان للناس. التعلم من الطبيعة ومحاكاتها كان دومًا مُلهمًا للفكر الإنساني ومحفِّزًا له إلى الإبداع والتقدم. فالطبيعة هي التي ألهمت الإنسانَ النظامَ والعمل، كما ألهمته الطيورُ صناعة الطائرات، والحيتان صناعة الغواصات. إن استمرار تحقيق التوازن الطبيعي بين المخلوقات، يمثل أنموذجًا مرشدًا للسلوك الإنساني في سعيه لبناء حضارته الإنسانية على الأرض. فالحياة الطيبة هي نتاج للسلوك الإنساني القويم تجاه نفسه، ومجتمعه، ومحيطه الطبيعي.

التشابه بين الأرض والإنسان تَشابُه كبير، كما هو الحال في نسبة المياه في كل من الأرض والإنسان، وكما في حاجة كل منهما إلى الأوكسيجين. ولعل ذلك التشابه يحثنا على عقد “مؤاخاة” بين الإنسان والأرض، ويدفعنا نحو البِرّ بالأرض والإحسان إليها، والوقوف إلى جانبها في السراء والضراء.

مثَّل تقديس الطبيعة والتعايش معها مبدأً أساسيًّا في كثير من الثقافات الإنسانية القديمة، كما هو الحال مع الثقافة الشنتوية اليابانية. وفي الديانة الطاوية الصينية تَضمَّن معنى الطاو، السيرَ على منوال الطبيعة واحترام قوانينها.

خاطب القرآن الأرض بمصطلحات تُشعر وكأنها كائن حي. فالأرض تُسبِّح {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِنْ مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، والأرض تُشفق {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}، والأرض تتنفس في الصباح عندما تشرق الشمس {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}، والأرض يخاطبها الله كما يخاطب الإنسان العاقل فيقول لها {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي}، والأرض تتكلم وتستجيب لأمر الله {ثم اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}. وهذا الخطاب من شأنه أن يعمق الإحساس باحترام الأرض والرفق بها.

الأرض هي الرَّحِم العظمى التي تحتضن البشرية جمعاء بكافة أعراقها وألوانها، وهي بيتهم الكبير {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} [طه: 55]. ولعل النظر إلى الأرض باعتبارها كائنًا حيًّا يتألم ويمرض ويموت، يمكن أن يجعلنا أكثر إحساسًا تجاه ما تتعرض له الأرض من تدمير وتخريب، وربما تكون طفولية العقل الإنساني قد أضفت شيئًا من القداسة على بعض الجبال والأنهار والحيوانات والأشجار، ولكن وثنية العقل الرأسمالي قد استباحت الأرض واستنزفت مواردها، وجعلتها تبدو كأم عقَّها أبناؤها، ورمَوْها بالحجارة.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.