الرئيسية > رأي عام > مقالات > البحث عن ديانة أخرى
عامر الحافي (الأردن)

البحث عن ديانة أخرى

الثلاثاء ٢٠١٨/٤/٠٣م   |   ١٤٣٩/٧/١٨ هـ

 

ليست هي دعوةً للناس إلى تغيير ديانتهم التي شاء الله لهم أن يُولَدوا عليها؛ وإنما هي محاولة لفهم الدوافع والأسباب والالتباسات المتعلقة بالإنسان الذي قام بتغيير ديانته، وما يتصل بذلك من أبعاد، تمسّ وتستفزُّ العقلَ والوعيَ الديني الراكِدَين.

يعيش أغلب الناس ويموتون على الديانة التي يولدون عليها، ولا يجدون في أنفسهم حاجة إلى البحث عن ديانة جديدة. فالبحث عن ضرورات الحياة هو الشغل الشاغل لدى عموم الناس. أمَّا مَن لديهم القدرة على البحث في المضامين الفكرية والفلسفية للأديان، وطرح الأسئلة الجوهرية، فلا يمثِّلون سوى أقلية صغيرة بين الناس. فعموم الناس لا يعرفون مِن تعاليم أديانهم التي يولدون عليها سوى القليل، ولا طاقة لهم بمعرفة حقائق الكثير من الأديان الأخرى التي يَعِجُّ بها العالم، ويدّعي أتباع كل منها أنه الأمثل والأصوب.

الناس يألفون أديانهم التي يولدون عليها: {كذلكَ زَينَّا لكُلِّ أمَّةٍ عملَهُم ثمَّ إلى ربِّهم مرجِعُهُم فيُنبِّئهم بما كانُوا يعملُونَ} [الأنعام: 108]، ولا يرغبون في البحث عن ديانة أخرى إلَّا عندما يتعرَّضون لصدمة قوية تجعلهم يتجرَّأون على مراجعة معتقداتهم، ويرى كثير من المؤمنين أن الانتقال إلى ديانتهم، هو نتيجة هداية “عُلْويّة” تتجاوز ما هو إنساني، وتنفصل عن المتغيرات والعقول والظروف. ونجد في أدبيّاتنا الدينية تأثيرًا كبيرًا لمسألَتَي التحول والاهتداء، في بعث الروح الدينية وتحفيز الأتباع إلى الدعوة، كما في قصة إيمان شاول بدعوة المسيح، والذي أصبح اسمه “بولس الرسول”، وقصة إيمان عُمَر بن الخَطَّاب بالإسلام، والذي أصبح من أعمدته ولُقِّب بـ”الفارُوق”.

الأصل في تحوُّل الإنسان من دين إلى آخر، هو البحث عن معاني الهداية والخير والحكمة في سياقات جديدة، مختلفة عن تلك التي اعتادها. لكن المتأمل في الواقع الإنساني، يدرك أن دوافع تغيير الديانة متعددة وعسيرة الحصر. فبعضها يتصل بالجانب المعرفي والتجربة الروحية الفردية، وكثير منها يمتزج بجوانب اجتماعية واقتصادية، كالرغبة في الزواج من شريك من ديانة أخرى، أو صعوبة الطلاق من امرأة لم يعُد يحتمل الحياة معها، أو الفقر والرغبة في الحصول على دعم مادي، أو الرغبة في الاندماج الثقافي في مجتمعات ذات أغلبية دينية مخالفة.

هناك تَبايُن كبير في تحليل أسباب التحول من منظور أتباع الديانة السابقة، حيث لا يَرَون فيه سوى انحراف عن الحق، ورغبة جامحة في تحقيق مآرب مادية أو منافع اجتماعية؛ أمَّا مِن منظور أتباع الدين المتحوَّل إليه، فهم يرَون سبب التحوُّل يكمن في الهداية الإلهية، والبحث عن الحق والحقيقة. ولا شك في أن كثيرًا من القوى الدينية والسياسية، قد استغلَّت عبر التاريخ الظروف الاقتصادية والنفسية والاجتماعية التي يمر بها بعض الناس، للتأثير فيهم، لكي يقوموا بتغيير ديانتهم.

هناك من الناس من يتحولون إلى ديانة جديدة ثم يعودون إلى ديانتهم الأولى، فالإنسان لا يستطيع تغيير ذاكرته ومشاعره بمجرد أن يقرر تغيير معتقده، ويبقى لديه نوع من اختلاط المشاعر والحنين إلى الديانة الأولى.

اللجوء إلى تشويه الأديان الأخرى لا يمثِّل حلًّا لمسألة التحول الديني، بل قد يؤدي إلى زيادة المشكلة؛ عندما يكتشف الأتباعُ المَخدوعون، حجم التشويه والتلفيق تجاه هذا الدين أو ذاك.

هناك اختلاف كبير في نظرة المجتمعات حِيال حق الإنسان في تغيير دينه. فبينما يمكن قبوله في المجتمعات الديمقراطية المتعددة الأعراق والأديان، نجده مستفزًّا ومثيرًا للمشاعر لدى المجتمعات ذات الطبيعة العشائرية، أو التي تمتزج فيها الهُوِيَّة الدينية بالهُوية العِرقيّة أو الوطنية.

هناك كثير من اليهود الذين تحوَّلوا إلى الديانة المسيحية، في المجتمعات الغربية ذات الأغلبية المسيحية، وهناك الكثير من المسيحيين الذين تحوَّلوا إلى الإسلام، في المجتمعات العربية ذات الأغلبية المسلمة، والقاسم المشترك هو مساحة التأثير التي تمارسها الأغلبية على الأقلية.

لا يرغب أتباع الأديان في الحديث بخروج أحد من أتباعهم إلى دين آخر. ولذلك، قَلَّما تجد أحدًا يعرف ما جاء في كتب السيرة، مِن تحوُّل الصحابي عُبَيد الله بن جحش إلى المسيحية بعد هجرته إلى الحبشة (انظُر ابن إسحق)، أو سَمِع برواية أَنَسٍ عندما قَالَ: “كانَ رجلٌ نَصرانيًّا فأسلمَ وقرأ البقرةَ وآلَ عِمرَان، فَكانَ يكتُبُ للنبِيِّ صلى الله عليه وسلم فعادَ نَصرَانيًّا..” (البخاري).

يقوِّض مفهومَا الاهتداء والتحول من ديانة إلى أخرى، الأحكامَ السابقة المُستَشْرية في الأوساط الدينية، والتي تفيد أن أتباع المعتقدات الأخرى يعلمون حقائق الدين وينكرونها. فالتحول هو عملية معرفية تراكمية، يمكن أن تتطور في اتجاهات مختلفة.

نحن اليوم، أحْوَج ما نكون إلى أن يتحول أتباع الأديان، إلى إعادة إكتشاف تعاليم دينهم، واعتناق القيم الجوهرية فيها. فالتحول بين الأديان مع أهميته، لا يحلُّ المشكلة الأساسية بين الناس؛ وإنما يُمكن أن يَكمن الحل الأمثل في “التحول الداخلي”. فالاختلافُ بين الناس سيبقى سُنَّةَ الله الجارية بين الخلق، واختزالُ الحقيقة الدينية بدين واحد، هو أمر أقرب إلى الرومانسية منه إلى الدراسة الموضوعية للأديان والمعتقدات.

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.