مصطفى سعدون (العراق)

البصرة تموت

الثلاثاء ٢٠١٨/٩/٠٤م   |   ١٤٣٩/١٢/٢٤ هـ

لا يَعرف كثيرون عن البصرة سوى أنها مدينة غنيَّة بالنِّفط، وأنها تمدُّ العراق بـ 90% من موازنته العامة، وأنها كانت يومًا تُصدِّر للعالم أجود أنواع التمور. لكن، ما لا يعرفه العالَم عن البصرة، أنها تموت الآن.

منذ أكثر من شهرَين، والبصرة لا تتوقَّف عن الاحتجاج والتظاهر ضد سوء الخدمات والخراب الذي تعيشه منذ 15 عامًا. فكُلُّ ما تُنتجه من نفط، ويتحوَّل إلى أموال، لا تستفيد منه. وتُنتج البصرة سنويًّا مليارًا و440 مليون برميل نفط. ولو حوَّلنا الرقم على سعر برميل النفط وَفْق 40 دولارًا، فإن ما تَدرُّه هذه المدينة على العراق 57 مليار دولار، مع أن أسعار النِّفط كانت ما قَبل سنة 2014، ضِعف هذا السعر.

أزمة البصرة مُركَّبة: بيئة ملوَّثة، مياه ملوَّثة، بطَالة، اقتصاد متراجع، خدمات معدومة، انتشار للسلاح، عشائر فوق القانون، غياب الكهرباء، صراعات سياسية، صراعات بين جماعات مسلحة… كلُّ هذا موجود في البصرة.

لم يَبحث سُكان البصرة عن أشياء تتعلَّق بالتَّرَف أو الترفيه. هُم يُطالبون بحقوقهم فقط، حقوقهم التي سُلبت، ويُراد لها ألّا تعُود لهم من جديد، ليَبقَوا في حاجة دائمة إلى من أوصلهم إلى هذا الحال. مَطالبهم حقَّة وطبيعية، وليس فيها شيء أكبر من قُدرة الدولة العراقية. ومنذ عام 2015 كانت البصرة هي الشَّرارة الأساسية للحَراك الاحتجاجي، الذي استمرَّ منذ ثلاث سنوات ولم ينقطع. وعلى غرارها، سارت بغداد ومحافظات أخرى، لكن ذلك لم يكن بلا أرواح. فالطِّفل “مُنتظَر الحلفي” سقط قتيلًا على يد القوَّات الأمنية، التي كانت تُحيط بالمتظاهرين آنذاك.

اليوم تعُود البصرة من جديد لتُشعل حَراكًا حقيقيًّا أُريدَ له ألَّا يكُون، لكنها خسرَت هذه المرة أكثر من متظاهر على أيدي رجال الأمن. كان آخرهم “ياسر مكِّي”، الذي تُوفِّي بسبب الصَّعَقات الكهربائية على يد عناصر الأمن في الثالث من سبتمبر/أيلول الحالي، ليلتحق بـ 16 آخرين، سقطوا على أيدي رجال الأمن خلال الشهرَين الماضيَين، في البصرة ومحافظات أخرى. لقد استخدمت القوات الأمنية العراقية العُنف المفرط، تجاه المتظاهرين في البصرة وفي محافظات أخرى، وعزَّزَت الحكومة عناصرها وقواتها في المحافظة الجنوبية، لكنها لم توفِّر الحماية للمتظاهرين، بل قمعَتْهم أمام عدسات الكاميرات وأعين الناس، حتى صار استخدام الرصاص الحيِّ أمرًا طبيعيًّا.

في البصرة الآن كارثة كبيرة، هي المياه الملوَّثة. المدينة التي يصِلُها نهْرَا دجلة والفرات، ويلتقيان في شط العرب، تُعاني مُلوحةً مرتفعة، وتلوُّثًا كبيرًا. وبحسب إحصائيَّات شُعبة الرَّقابة الصحية في المحافظة، فإن التلوُّث الكيميائي وصل إلى 100%، والجُرثومي إلى 50%، وهذه نِسَب كبيرة وقاتلة. فأُصيب خلال أسبوعَين ما يُقارب الـ 20 ألف شخص بالتسمُّم، نتيجة المياه القادمة من محطَّات حكومية، وقد تصل هذه الإصابات إلى مرحلة الإصابة بمرض الكوليرا، بحسب ما حذَّرَت منه المؤسَّسات المختصة. ومقابل كلِّ هذا، لا نجد أيَّ إجراء حكومي يُساعد الناس على التخلُّص من مأساتهم.

لا يقف الحال عند كارثة المياه. فالمستشفيات التي يصِلُها المَرضى والمصابُون بالتسمُّم، غير مؤهَّلة لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة منهم، وغير قادرة على تقديم الخدمات الطبية بسبب مشكلتَين أساسيَّتَين: قِلَّة الخدمات والأدوية، ونقْص الكادر الطبي، ويُضاف إليهما عدم أهليَّة المستشفيات العراقية للعمل. فأغلَبُها خارجة عن الخدمة منذ سنوات طويلة، وعُمرها الافتراضي انتهى.

إن البصرة التي كانت تُزار من قِبَل سائحين عرب وغير عرب خلال عقود سابقة، صارت اليوم مدينةَ مَوتٍ لسُكَّانها. فالأربعة ملايين برميل نفط يوميًّا، غير قادرة على إيجاد لترات قليلة من المياه النقية للمواطنين، الذين يتعرَّضون للقتل والتنكيل، لأنهم يُطالبون بحقوقهم.

لا يُمكن أن تغُضَّ الحكومة النظر عمَّا يحدث في البصرة ذات التعدُّد الديني والمذهبي، ففيها المسلمون والمسيحيون والشيعة والسُّنَّة. لذا، هذه المدينة الغنيَّة بتنوُّعها ونفطها، لا يُمكن أن تُترك لِتُواجِه مصيرَها وحدَها. فمَطالب سكَّانها هي مَطالب الحدِّ الأدنى من العيش الكريم، واحترامُ حُرِّيّة تعبيرهم عن الرأي ليس منَّة، بل حقًّا من حقوقهم.

ستكون المدينة الغنيَّة بالنِّفط، مرحلة انطلاق نحو حركة احتجاجيّة كبيرة، سيشهدها العراق خلال الفترة المقبلة. فالنشاط الشبابي المتزايد، والوعي الكبير الذي صار لدى سُكانها، يُمكنهما أن يَخلقَا حَراكًا احتجاجيًّا يُقلِّل في الحدِّ الأدنى من المساوئ والخراب، الذي تعيشه هذه المدينة.

مَوت البصرة صار قريبًا، لكنَّ إحياءَها ليس بعيدًا. لذا، أمام الحكومة العراقية فرصةٌ لِأن تقف إلى جانب المحتجِّين، وأن تَسحب قوَّاتها إلى مراكزها لإنهاء عمليات قمع المتظاهرين، وتقديم المسؤولين عن عمليات القتل والتعذيب للمحاكمات، وإيجاد حلول سريعة لمشكلَتَي المياه والكهرباء. وإلَّا فإن البصرة ستموت.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.