الرئيسية > رأي عام > مقالات > التضحية: واجب النساء العاطفي
وجدان بو عبدالله (تونس)

التضحية: واجب النساء العاطفي

الأربعاء ٢٠١٧/٩/٠٦م   |   ١٤٣٨/١٢/١٤ هـ

يحتفل المسلمون في العالم في كل عاشر من شهر ذي الحجة بعيد الأضحى، إحياءً لشعيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي كاد أن يضحِّي بابنه إسماعيل طاعةً لله، قبل أن يُوحَى إليه بذبح كبش عوضًا عن ابنه.

وطقسُ التضحية ليس حكرًا على المسلمين بل نجده في ديانات سماوية ومعتقدات أخرى مع اختلاف الأضاحي، التي تتدرج من التضحية بالبشر كما كان الحال في الحضارات الغابرة إلى التضحية بالماشية والطيور.

ماذا تعني التضحية؟

التضحية مفهوم قيمي يتكرر مثلما قلنا في مختلف الديانات، ففي القرآن آيات تحث على التضحية بالنفس والمال والوقت نصرةً للدين أو من باب التراحم، ولنا مثال في عليٍّ رضي الله عنه الذي ضحى بنفسه لحماية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بأن بات في سريره عوضًا عنه ليلة هجرة الرسول لمنع قريش من قتله. وتضحية أخرى في الإسلام عنوانها أبو بكر الذي ضحى بماله نصرةً للرسالة المحمدية.

وفي المسيحية ضحت مريم عليها السلام بتحمل لغوِ الناس من حولها حين حبلت دون رجل، وأنجبت وهي عذراء طفلًا دون أب ليصبح نبيًّا ويصير عنوانًا للتضحية في المسيحية.

التضحية قيمة "أخلاقية" سامية تشمل الرجال والنساء على حدٍّ سواء، لكن لماذا نربي المرأة بالذات على التضحية من أجل الزوج والأطفال، ومن أجل من حولها بشكل عام؟ لماذا نلقن المرأة تعاليم طمس شخصيتها وهويتها إرضاء لزوجها تحت مسمى "التضحية"؟ لماذا يُربط نجاح أي زيجة بمدى قدرة المرأة على تحمل الانكسار ونسمي ذلك "تضحية"؟

هذه التربية لا تقتصر على المجتمعات الشرقية بل تكاد تكون قاعدة عامة توحد الثقافات والشعوب، وكأنها إيديولوجيا مفروضة على النساء، فكرتها الأساسية أن  تَفنَى المرأة في سبيل زوجها وأسرتها قبل أي شيء، وأن تعامل نفسها على أنها على خطأ، وأنَّ زوجها أو أباها أو أخاها على صواب، وأن تهتم برغبات الآخرين قبل رغباتها.

هذه الإيديولوجيا المذكَّرة تحولت إلى تصرفات اجتماعية تراقب "تَفاني" المرأة في التضحية في سبيل الآخرين، وكأنَّ الفكرة السائدة أن وظيفة النساء الجوهرية تكمن في أن يكنّ مستعدات للعناية بالآخرين وإعالتهم وتحمل كلّ تصرفاتهم. حتى النساء الناجحات في عملهن يضحِّين بهذا النجاح في سبيل إنجاح العلاقة الزوجية، وفي العلاقات العاطفية على المرأة أن تضحي كذلك بتحمل العلاقات المؤلمة واللامبالاة، وعليها ألا تشتكي لأنها تربَّت على ذلك وتعتقد أنه اختبار لقدرتها على "التضحية".

وفي قصص العنف الجسدي أو اللفظي المسلط على النساء، يختار عدد كبير من الضحايا الصمت وإخفاء آثار العنف والصبر على شريك عنيف من باب "التضحية". وإن اشتكت الضحية إلى أسرتها في أول حادث عنف، فسيعيدونها إلى البيت مُوصين إياها بالصبر والتحمل؛ لأن قيمتها كامرأة تستمد قوتها من قدرتها على تحمل ذلك العنف في سبيل صمود الزيجة والأسرة.

هذه التضحية تترجمها بعض النساء بمعاملة الرجال حولهن كأمَّهات لهن، فتراهن يتجاوزن عن سيئاتهم مهما بلغت خطورتها؛ ما يجعلهم أكثر قسوة في الحياة العامة. التضحية قد تعني كذلك انحياز المرأة إلى آراء رجال العائلة عوض التعبير عن رأيها الخاص، فتجدها تمحو نفسها تمامًا، لا رأي لها ولا موقف ولا قرار، هي فقط تابعة لما يقرره أو يختاره أو يميل إليه الزوج أو الأخ أو الأب. والمحزن أن نساء في الجيل الجديد لم يحدْن عن القاعدة.

ما العيب في أن تضحي المرأة؟ هذا لا ينقص شيئًا منها. على العكس، كم من مرة سمعنا هذه الجملة! لكن من يعير انتباهًا لحاجات النساء؟ طرحُ موضوع التضحية النسائية لن يخلُوَ من تصنيفه في خانة "الحركات النسائية" وما يلحق بهذا التصنيف من إسقاطات الجندر، لكن الحقيقة أنَّ طرحه يتخطى مرحلة النسوية إلى المطالبة بالقضاء على أشكال التسلط على النساء ورد كرامتهن.

لماذا النساء مرغمات على التضحية؟

لأنهن تربَّين على ذلك، على العطاء إلى حد النسيان، على الطاعة في جميع الحالات، لأنهن يعتقدن أنهن مخلصات بتقديم المزيد في كل مرة.

العلاقات السوية لا تقبل اضطهاد طرفٍ من قِبل آخر، ولا استغلاله عاطفيًّا وإنهاكه وتفريغه من طاقاته بالطلب المستمر. ووعي النساء بالاستلاب في حياتهن الشخصية، قد يقود إلى تغيير تلك الإيديولوجيا التي صنعت من تضحياتهن قيمتهن الوحيدة في المجتمع، وهذا التغيير لا يأتي عن طريق معاداة الرجال كما بادرت بعض التيارات النسوية بافتعاله، أو بالتشبه بالرجل الذي يقوم فقط بتغيير الأدوار من مسيطَر عليه إلى مسيطِر على مخلوق آخر، بل بخلق أنموذج علاقات جديد بين الرجل والمرأة، لا فوقية فيه ولا إهانة ولا هيمنة طرف على آخر.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *