الرئيسية > رأي عام > مقالات > التعليم الديني في الدولة المدنية
أمينة خيري (مصر)

التعليم الديني في الدولة المدنية

الثلاثاء ٢٠١٧/٩/١٩م   |   ١٤٣٨/١٢/٢٨ هـ

بين التعليم الديني والتعليم الوطني خيط رفيع اسمه المواطنة. وبين المواطن الملتزم بعقد اجتماعي وآخر ملتزم بشرائع عقائدية بطاقتا هوية: الأولى مدنية، والثانية دينية.

الدين لله والوطن للجميع! هكذا تَكتب الأجيال المتعاقبة في كراسة اللغة العربية. لكن ما إن تنتهي حصة اللغة العربية وينقسم طلاب الصف إلى قسمين: أحدهما للتربية الدينية الإسلامية، والآخر للتربية الدينية المسيحية، حتى يصبح الدين لنا والوطن، إن أمكن.

إمكانية تفكيك اللغم السريع الاشتعال الشديد الانفجار المسمَّى بالتعليم الديني أمر بالغ الصعوبة. آلاف المدارس والمعاهد والجامعات التي شُيِّدت في عالمنا العربي، لتكون منابر تعليمية تختلط فيها تعاليم الدين بأوجُه الحياة المدنية المختلفة، تؤكد أن المسألة لم تعد صرعة تعليمية أو سمة تراثية تقتصر على بضع مؤسسات تعود إلى عصور تاريخية قديمة، لكنها اتجاه مُتنامٍ في ظل زمن الطائفية البغيضة والحروب الدينية الرهيبة التي تهز كيان المنطقة.

المنطقة العربية التي يفاخر أهلها بأنها مهد الحضارات ومنشأ الأديان ومنبع السلام، عليها أن تنظر في المرآة. ولأن المشهد في المرآة سيكون متخمًا بتفاصيل لا أول لها ولا آخر، حيث جماعات دينية متقاتلة، وأيديولوجيات عقائدية متشاحنة، ومنظومات فكرية متحاربة، فإنه يمكن التركيز على المكون التعليمي منعًا للتشتت.

تشتيت الأنظمة التعليمية -لا سيما المدرسية- بين نظام إسلامي بفئاته، ومسيحي بأنواعه، وربما حفنة أخرى تمثل أقليات عقائدية، يساهم في ترسيخ دعائم الأمم الدينية، وزعزعة أواصر الدول المدنية.

عقود من تنامي المدارس الدينية حيث العلوم مختلطة بتفسير هذا الكتاب المقدس لها، والرياضيات الممزوجة بأسس وضعها أئمة وقساوسة في عصور مضت، وتاريخٌ مظهرُه معلومات، وباطنه ترسيخ لسيادة ديانة على أخريات، وجغرافيا تركز على تلاحم أبناء العقيدة الواحدة، ولغات تبحث مناهجُها عما يعزز نبرة الفوقية العقائدية؛ أدت إلى جُزر فكرية وثقافية وحياتية منفصلة وإن كانت تحمل بطاقة هوية واحدة.

بطاقات الهوية -التي ما زالت دول عربية عدة تصر على الإبقاء على خانة الديانة فيها- تبقى مجرد ورقة. هي ورقة تعني انتماءً وطنيًّا وثقافيًّا ومعيشيًّا لأعداد متضائلة من البشر من المنتمين إلى عقائد مختلفة، لكنها لأعداد متزايدة لا تعني إلا “حفنة من تراب”!

“ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن”. تلك العبارة الشهيرة التي يرتكن إليها أتباع جماعات عدة تؤمن بالإسلام السياسي، تعكس تعريف “الوطن” و”الوطنية”. وبعيدًا عن المشاعر العربية الملتهبة دائمًا وأبدًا، والتي تَطُول حب الوطن والتغني به والتغزل به في الأشعار والأفلام والمسلسلات، فإن مشاعر ملتهبة من نوع آخر ضربت شرائح عدة في المجتمعات العربية. مشاعر التدين بأنواعه قامت بعملية إحلال وتبديل لما سبقها من مشاعر الوطنية، وبدلًا من الإفراط في حب الوطن وإشهار التوق إلى الموت فداء له، أصبح الإفراط في حب الدين، كلٌّ حسب دينه.

ومع حب الدين تأتي فوقية المؤمنين به ومتبعيه، وهما الحب والفوقية اللذان يجري تمريرهما عبر مختلف الدروس وشتى الفصول في المدرسة الدينية. والحب هنا يتخذ شكلًا فيه الكثير من العنجهية. فالمحب ينشأ على أنه وحده صاحب الدين الحق، وأنه وحده الذاهب إلى جنة الخلد، وأنه وحده المالك لمفاتيح الحقيقة المطلقة.

الحقيقة المطلقة التي يجري تدريسها في المدارس الدينية، لا يناقشها أحد أو يخالفها بشر. فمَن يرسل أبناءه للدراسة في مدرسة دينية، فهدفه غرسُ الإيمان بأن هذا الدين وحده الحق في نفوس الصغار، ومن يعمل بالتدريس فيها يؤمن بذلك، وإلا لما استطاع أن يقنع الصغار به. ومن دشن المدرسة -سواء كان فردًا أو جهة أو حتى دولة-، فعلى قناعة تامة بأن الدين لله والوطن لنا.

وتعريف الوطن هنا عابر للحدود غير معترِف بالهويات، ماحٍ تمامًا لأختام جوازات السفر وقيود التحرك من مكان إلى آخر، ما دام سكَّانه ينتمون إلى الدين نفسه. وما النقاشات الكثيرة التي أجّجَتها أحداث وحوادث ما بعد هبوب الرياح الربيعية على العالم العربي في هذا الشأن، إلا توضيح للخيط الرفيع بين تعريف الدين ومعنى الوطن. فهل المسلم العربي أقرب إلى المسلم الهندي منه إلى المسيحي العربي؟! وهل المسيحي العربي أقرب إلى المسيحي البرازيلي منه إلى المسلم العربي؟!

وإذا كان تعلُّم أصول الأديان ومبادئِها مُهمًّا للصغار في سن المدرسة، فإنّ دس المكونات العقائدية في المناهج العلمية ومزجها بمحسنات الشعور بالفوقية والعصبية الدينية والقبلية الطائفية، يؤدي إلى منطقة مشتعلة لا تطفِئُها تحية علم في طابور الصباح، أو درس مواطنة في حصة المساء!

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.