الرئيسية > رأي عام > مقالات > الدراسات القرآنية والتعددية العلمية
عدنان المقراني (تونس)

الدراسات القرآنية والتعددية العلمية

الإثنين ٢٠١٨/٥/٢٨م   |   ١٤٣٩/٩/١٤ هـ

 

يُقصد بـعلوم القرآن تاريخ فهم المسلمين للقرآن، والوسائل المعرفية والمنهجية التي استخدموها من أجل ذلك. أما الدراسات القرآنية فيُقصد بها غالبًا الأفهام والمناهج الحديثة، خاصةً في الجامعات الغربية، بغضّ النظر عن عقيدة الباحث. ولا شكّ أن علوم القرآن تمثّل شرطًا أساسيًّا للخوض في الدراسات القرآنية. فلا يمكن تجاهل المصادر الأوّلية وتجارب السابقين، كذلك لا يمكن للباحث اليوم أن يتجاهل الدراسات الحديثة، والتراكم المعرفي الحاصل في العقود الأخيرة. يمكن أن تكون لنا مواقف نقديّة من المعارف الإسلامية أو الغربية، ولكن لا يمكننا أن نتجاهل الثراء العلمي الموجود في كِلا المنهجَين، اللَّذَين ينبغي أن نطّلع عليهما ونتحاور معهما معًا.

دراسة القرآن الكريم ليست حكرًا على المسلمين، بل مُتاحة لكل باحث يملك الوسائل المعرفية اللازمة، لِتُطرح نتائج البحث لاحقًا على محكّ النقد والتمحيص. هذه هي العولمة العلمية التي طالت الدراسات الإسلامية، ومِن ضِمنها الدراسات القرآنية. ومن الطبيعي أن تختلف الرُّؤَى باختلاف البيئات والخلفيات والاختيارات، ولكننا ننتقد البحوث لا حسَبَ عقيدةِ الباحث أو نواياه “المبيَّتة”، بل حسَب النتائج المعلَنة والخطوات المتَّبعة.

لقد ظهرت في السنوات الأخيرة مشاريع كبرى للدراسات القرآنية، من بينها مشروع “كوربوس كورانيكوم” لأكاديمية “برلين براندنبورغ” للعلوم، يُعنى بجمع مخطوطات القرآن في العالم ودراستها، واعتبار كل القراءات والتفسيرات القديمة والحديثة في فهم النص القرآني. فهذا المشروع الذي أسَّسَته الأستاذة “آنجيليكا نويرث”، جمع حوله مجموعة من الباحثين من مختلف أنحاء العالم، ومن مختلف التوجهات الدينية والثقافية. فهو دليل على أن الدراسات القرآنية باتت مفتوحة للجميع، بغضِّ النظر عن الانتماء الديني أو الثقافي.

أما المثال الثاني، فهو “الجمعية الدولية للدراسات القرآنية”. فعلى الرغم من أن المبادرة أميركية، إلا أنها انفتحت منذ البداية على الباحثين من مختلف أنحاء العالم، حيث يشترك فيها باحثون مسلمون ومسيحيون ويهود وغيرهم. وقد حرصت الجمعية على تنظيم مؤتمرات دولية في بلدان ذات أغلبية مسلمة، مثل المؤتمر الأول الذي عُقد في الجامعة الإسلامية “سونان كاليجاكا” في مدينة يوغياكرتا الإندونيسية سنة (2015)، والمؤتمر الثاني الذي عُقد في “بيت الحكمة” في تونس سنة (2017). لقد كان مؤتمر إندونيسيا ناجحًا بكل المقاييس، إذ جمع عددًا كبيرًا من الأساتذة من مختلف الجامعات الإندونيسية والعالمية، وأيضًا حضَره حوالي مائتي طالب في الدراسات العليا. يرجع نجاح المؤتمر إلى انفتاح الجامعة السابق على كل ما هو جديد، باستضافة كبار الأساتذة وإرسال الطلبة للدراسة في الجامعات الإسلامية والغربية الكبرى. وعلى الرغم من اختلاف الرؤى ووجود أساتذة محافظين وناقدين للدراسات الغربية، فإن ذلك لم يُفسد للودّ قضية، وظلَّت الأجواء هادئة، والمناقشات علمية. تَعايُش الآراء ضمن الإطار الأكاديمي والأخلاقي ضروري لازدهار العلم وتطوره؛ فالتعددية شرط لنمو المعرفة.

الديمقراطية والحرية الفكرية، تمثِّلان شرطَين أساسيَّيْن لانفتاح المعرفة وتطورها. فلا تتخذ الدولة من قراءة دينية معيَّنة مذهبًا رسميًّا، يَضطهد مَن خالفه مِن المذاهب. تحرير البحث العلمي من الأدلجة السلطوية، ضروري لضمان التعددية. فالآراء تعتمد على قدرتها الذاتية على الإقناع، لا على سيف السلطان.

تحتاج المعرفة الإنسانية إلى حدّ أدنى من المبادئ المشتركة، تسمح بالتواصل والحوار، مع مساحة واسعة للاجتهاد والاختلاف والتنوع. ما يَجمع المسلمين وغيرهم حول الدراسات القرآنية، هو الجانب التاريخي والفِيلولوجي والأدبي، وهو مجال منفتح على “حوار منهجي” بين الدراسات الكتابية والدراسات القرآنية. لا شكّ أن المسلم يتوقّع من النص ما لا يتوقّعه غير المسلم، باعتباره خطابًا إلهيًّا مؤثّرًا في حياة الإنسان. يولّد هذا الإيمان “محبّةً تأويلية” تثق بحكمة مصدر النص، وتسعى لرؤية الانسجام داخل النص، بتأويل ما قد يبدو تناقضًا. ولكن هذا لا يمنع من الاشتراك في البحث التاريخي واللغوي للنص، مع من لا يؤمن بمصدره الإلهي.

الانتماء إلى ثقافات أكاديمية متقاربة، يسهِّل إيجاد الحد الأدنى المطلوب للتواصل وتبادل النقد. والنقد هنا يشمل التثمين والرفض معًا. وأحيانًا تكون الفجوة عميقة بين الثقافات العلمية؛ ما يَجعل التواصل صعبًا وشائكًا. في هذا المجال تُحمد جهود الأستاذ إبراهيم موسى، من جامعة نوتردام الأميركية، في جمعه طلبةً من المدارس التقليدية في الهند وباكستان في دورات علمية مكثَّفة، لإطلاعهم على العلوم الإنسانية الحديثة، حتى يتمكنوا مِن الجمع بين المنهجين، وجعلِ الحوار المأمول ممكنًا.

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.