الرئيسية > رأي عام > مقالات > الدين وحقوق الإنسان حَبيسَا الأفكار النمطيّة
روجيه أصفر (سوريا)

الدين وحقوق الإنسان حَبيسَا الأفكار النمطيّة

الأحد ٢٠١٨/٦/٢٤م   |   ١٤٣٩/١٠/١١ هـ

قبل أشهر أطلق هذا الموقع حملةً باسم “فينا نحكي دين”، تضمنت فيديوهات تكلّم في كل منها ثنائيٌ من ٍرجال دين وواعظات ومختصّين بالأديان، بهدف كسر رهبة الحديث بالدين، ومحاولة تبديد صور نمطية سلبية، لدى كل مكوّن ديني تجاه الآخر بحسب ما يذكره الموقع نفسه.

اللافت في بعض الردود على هذه الحملة، هو رفض أصحابها مضمون الفيديوهات، وبالتحديد تَصدّي رجال الدين والمختصين به، لنقاش قضايا عامة وحقوقية من وجهة نظر دينية. هذا الرفض يعود لأحد سببين أو كِلَيهما:

أولًا تقديم هذه الفيديوهات مفاهيم دينية إيجابية، ربما يظن بعضهم أنها مفاهيم غير دقيقة تُقدم لتجميل الدين، فهي لا تشبه المفاهيم السلبيّة المعتادة التي يسهل انتقادها.

وثانيًا عدم تقديم الخطاب الديني الإيجابي حلولًا متكاملة، تطابق رؤى بعض من يدافعون عن قضايا مهمة وراهنة كالنسوية والمثلية والإلحاد وغيرها، خاصة حين يأتي هذا الخطاب في فيديوهات قصيرة.

هذا الرفض ليس حالة نادرة مرتبطة فقط بهذه الحملة، بل يذكّر بمواقف مشابهة في نقاشات مع أصدقاء ورفاق وزملاء، تجاه كثير من الخطابات الدينية المعاصرة والمنفتحة.

هنا يجب -منعًا لأيّ التباس- توضيح أمر هو: أن هموم النّسويّة ومَطالِبها، والمدافعين عن حقوق المثليين والمنادين بالإلحاد… هي من وجهة نظر شخصية مطالبات محقة -في أغلبها- ومن الواجب دعمها. وإن لم يتفق المرء بالضرورة مع كامل مضامينها، يبقى عليه أن يدعم حقها في الوجود والتعبير عن نفسها دون أي مِنّة، وذلك من باب احترام الحريات الشخصية وحرية الرأي والضمير، التي يجب أن تكون من حق الجميع، كما هي من حقي.

بالنسبة إليّ، كمسيحي مجاز في اللاهوت، أرى الدين في أحد جوانبه، وعلى المستوى الفردي، علاقة بين محدود هو أنا الإنسان، ومُطلق غير محدود هو الله. المحدود الذي أكُونه يسعى للإحاطة بالمطلق وفهمه، وهو أمر يستحيل منطقيًّا. ولكن، يُفترض أن الإيمان مسيرة يتقدم فيها “فهم الله” ويزداد هذا الفهم نضجًا يومًا بعد يوم.

هذا لا يعني أن الدين ومِن ضِمنه النص المقدس متغير، بل أن مدى فهمنا له وطريقته يتغيران، هذه هي المسيرة الطبيعية للإيمان، خاصة عندما تكون هذه المسيرة إيجابية تسير نحو الأمام.

المؤسف في هذا السياق هو أن بعض المعترضين على مفاهيم دينية من المدافعين عن القضايا المذكورة، هم حَبيسُو مفاهيم دينية عفَاهَا الزمن، أو هم أسرى تفسيرهم الخاص “القاصر” لنصوص دينية لها تفسيراتها “الرسمية” التي هي أكثر تقدّميّة مما يتوقعون.

على سبيل المثال: موقف الكنيسة الكاثوليكية من الزواج المختلط لطرفين أحدهما مسيحي والآخر غير مسيحي، هو موقف متقدم يحترم الاختلاف، ويُعطي الحب والتفاهم الذي تقوم عليهما العلاقة الزوجية الأولوية، وهو أمرٌ محلُ جهلٍ لدى كثيرين ممن ينتقدون موقف الكنيسة في موضوع الزواج والموقف من الأديان الأخرى (راجع القوانين رقم 803، 804، 814).

موقِفِي هذا ليس للدفاع عن الكنيسة أو عن موقف أي مؤسسة دينية أخرى، ثم إنه لا يدعو إلى وقف انتقاد المؤسسة الدينية حين يجب، فكاتب هذه السطور، لا يتبنَّى كل مواقف كنيسته. ولكن المطلوب من موقعنا كمدافعين -مؤمنين أو غير مؤمنين-، عن حقوق جماعات أو فئات قد ترى المؤسسة الدينية على نقيض منها، ألا نحبس الدين أو المؤسسة الدينية في زنزانة وهمية.

العداونية تجاه الآخر المبنية على إيمان ديني أو إلتزام حقوقي بالدفاع عن قضية ما، تضيّع فرصة الإتفاق على جوامع مشتركة تجمع طرفين في نضال مشترك. نضال لا يلغي كل الفوارق بينهما ولكنه يمهد لمستقبل أرحب أكثر سلامًا بقبوله للتنوع.

المدافعون عن حقوق الإنسان مثلهم مثل الدين والمؤسسة الدينية، قد تقدم، كل بدوره مواقف ومطالبات لا تتفق مع قناعاتك، ولكن المهم عدم نسيان أن الطرفان يحتضان تنوعًا وتيارات وآراء مختلفة، والمحاولات مستمرة لتطوير مفاهيم ومواقف متقدمة وأكثر نضجًا من القضايا والتحديات المعاصرة.

لا شك أن التاريخ المشترك بين فئات مجتمعية عريضة والمؤسسة الدينية مثقل بحوادث كثيرة وشوائب لا عد لها، وأن المؤسسة الدينية وطبقة رجال الدين وعلمائه، من حيث أنها مؤسسة أعضاؤها من البشر، تعرّضت وتتعرض للمرور بعصور تَراجُع وظلمة، لكن الانفتاح على فهم الآخر، (وهو هنا الدين والمؤسسة الدينية) كما هو، كما يقدِّم هو نفسه ويعرف عن ماهيته، لا كما كان أو كما خيّل إليك أنه هو، خطوة ضرورية لا بد منها، للوصول إلى محطاتِ تلاقٍ أكثر، ونقاطِ اختلافٍ أقل.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.