الرئيسية > رأي عام > مقالات > السلام والجهاد الأكبر
عامر الحافي (الأردن)

السلام والجهاد الأكبر

الثلاثاء ٢٠١٧/٩/٢٦م   |   ١٤٣٩/١/٦ هـ

يدرك الحكماء أن الجهاد في سبيل السلام أكثر صعوبة من الجهاد في مجالدة الأعداء، واستفراغ الوسع في سبيل قتلهم أو التنكيل بهم. فالسلام ينطوي على الجهاد الأكبر الذي لا يقدر عليه إلا من ارتقت نفوسهم وسمت أرواحهم.

يحتاج بلوغ السلام إلى تزكية للنفس وطهارة للروح، وتعزيز لروح العدل والإنصاف التي تعظِّم الحق وتعيد الحقوق إلى أصحابها. فالسلام يبدأ من داخل الإنسان ثم يمتد إلى سلوكه ومحيطه الإنساني والكوني.

ليست الدعوة إلى السلام هي حالة طارئة يدعو إليها المؤمنون عندما ينتابهم الضعف والعجز. فالسلام قيمة أخلاقية وليس مجرد موقف عملي براغماتي يتغير بحسب المنافع والمكاسب أو الشعور بالقوة والغلبة.

يقوم السلام على العدل والصفح، وتستعر الحروب عندما تشتد آلام المظالم والطغيان. وفي أجواء الحرب واستعلاء غريزة القتل تنحدر القيم الأخلاقية ويغيب الإحساس بالقيم الإنسانية، فيفقد المظلوم البوصلة ويستبيح كل فعل في سبيل الثأر والانتقام. وعندما يتباهى المحاربون بأشلاء أعدائهم، ويصبح التسابق إلى القتل والتنكيل فضيلة وبطولة، فإن التوحش ينتصر وتسود الكراهية، وتظهر بين الناس أنماط قاتلة من المسلكيات والانفعالات داخل المجتمعات نفسها.

الحرب من منظور القرآن هي “كُرهٌ” {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216]. فلا يلجأ المؤمن إليها إلا كارهًا لها أو مكرَهًا عليها بعد أن يستنفد كل الوسائل السلمية الممكنة. وأعمال الحرب كما يصفها القرآن هي “أوزار” {حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4]، وخلافًا لما يظن دعاة الحروب، فإن القرآن يذم الحرب ويجعل من يشعلها على النقيض من الأخلاق الربانية {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64]. فالله يُطفئ الحرب التي يوقدها من يبغون الفساد في الأرض.

يخبرنا القرآن أن السلام هو اسم من أسماء الله الحسنى، وهو تحية المؤمنين في الجنة والتي سماها القرآن “دار السلام”، والسلام هو تحية الله للمؤمنين يوم القيامة، وهو تحية الملائكة الكرام لأهل الجنة.

السلام هو أجمل سمة تتسم بها أعظم ليلة في التاريخ، وهي “ليلة القدر” التي أنزل الله فيها القرآن على رسوله محمد {سَلاَمٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر} [القدْر: 5]. ولو استشعر المسلم حقائق القرآن وما تفيض به من طمأنينة وسكينة، فإن السلام لن يكون مجرد ليلة واحدة، بل سوف يشمل أيام الناس كلها ليلها ونهارها.

 يخبرنا الرسول الكريم أن المؤمن الحق هو من يُلقي السلام إلى من يعرف ومن لا يعرف، كما في إجابته عن سؤال أحد أصحابه: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ فقَالَ: “تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ” (رواه البخاري).

والسلام هو الأصل في العلاقة بين الناس. في حين أن الحرب ليست سوى حالة استثنائية تتصل بِاسمٍ من أقبح الأسماء التي نهى الرسول الكريم عن التسمي بها.

إذا كان التعارف هو الغاية التي يجب أن ينتهي إليها الاختلاف بين الناس، فإن السلام هو الصيغة المُثلى لتحقيق تلك الغاية. فالعِداء وما يتضمنه من كراهية وبغضاء يحُول دون أن يتعلم الناس من بعضهم.

كل من ابتغى غير السلام سبيلًا، وارتضى العنف والقتال منهجًا، فقد ابتعد عن منهج الإسلام. فالسلام مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية وعموم الشرائع السماوية مهما تعددت أسماؤها، فهو يتصل بحفظ الحياة والنسل والمال والأعراض، كما يتصل بالرحمة التي جعلها الله الغاية العظمى التي أرسل الله من أجلها رسله الكرام.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.