الرئيسية > رأي عام > مقالات > الشيخ الجليل عبد الجليل
أمينة خيري (مصر)

الشيخ الجليل عبد الجليل

الثلاثاء ٢٠١٧/٥/١٦م   |   ١٤٣٨/٨/٢٠ هـ

ضرب الشيخ “الوسطي” التعددية في مقتل وبعدما تأكد له موتها، نكل بها ثم سحلها، مؤكدًا أنه لم يكن يقصد قتلها، فقط اغتيالها! السجال المحتدم الذي تفجر عقب وصف وكيل وزارة الأوقاف المصرية الأسبق، والداعية المستقل الحالي، وأحد نجوم “التدين الوسطي الجميل” في الفضائيات المصرية الشيخ الدكتور سالم عبد الجليل، لم يكن إلا نبشًا سطحيًّا لما هو كامن في الأعماق.

الشيخ الذي قال في حديث تلفزيوني قبل أيام إن “عقيدة اليهود والنصارى فاسدة وضالَّة”، في إطار تفسيره لآيات قرآنية، حرَّك مياهًا راكدة، وأيقظ قناعات راسخة. الشيخ “الجليل” عبد الجليل أثار جدلًا مستعرًا. والسبب لا يكمن في كلمات صادمة، أو مجاهرة مرعبة، بل في أنها كانت على الأرجح “لحظة صدق”. تَحلل الشيخ من قيود الدبلوماسية الدينية الرسمية، وبروتوكول التعايش الأخوي التجاري.

فسادُ عقيدة غير المسلمين، بل فسادُ عقيدة غير المسلمين المنتمين إلى طوائف غير الطائفة المبشَّرة بالجنة، ليس فكرًا جديدًا، أو قناعة فريدة، أو نسخة “أندر غراوند” من التدين، بل تبدو أنها القاعدة، وهي الأشمل، وهي الأعم. كل ما فعله الشيخ هو أنه تفوَّه بها على قناة ليست مصنفة ضمن القنوات “الملتزمة”، أو المنعوتة بـ”الدينية”، حيث محتكرو الدين الواحد الصحيح، والعقيدة الوحيدة الحقة، والأتباع وحدهم هم الداخلون الجنة. ويمكن القول إن الغالبية ممن شهد إشهار الشيخ فساد العقيدتين اليهودية والمسيحية (لأنهما خضعتا لتحريف حسبما يؤمن) إما على يقين بهذا الفساد لأنهم مسلمون، أو على يقين بأن المسلمين يصنفونهم هكذا لأنهم مسيحيون.

بمعنى آخر، فإن العديد من المجتمعات تجلس على صفيح ساخن منذ سنوات. جانب من السخونية يعود إلى هجمة شرسة للتطرف “اللذيذ”، والتشدد “اللطيف”، والكره “الجميل”. هذه التوليفة الساخنة أتت مغلفة بغلاف أنيق مثير. طغى الترهيب على الترغيب، وهيمن الدقّ على أوتار تأنيب الضمير، وترويع الوازع الديني، وجاءت الوجبة مشتملة على رفضٍ للآخر، وتَدْنِئةٍ لمعتقده، وتكفير له. حتى وإن لم تكن الدعوة للجهاد عبر المجاهرة، فإن ما في القلب يبقى في القلب. لم تعد درجات القبول والتعايش والتراحم، تختلف من مكان إلى آخر، ومن فئة إلى أخرى، بل باتت درجات الرفض والتناحر والتكاره، موضع الاختلاف ومحل التنوع.

وعودة إلى شيخنا “الجليل” عبد الجليل، الذي يتعرض لظلم جائر، ويجري ذبحه بدم بارد، فقد تحدث عبد الجليل عما يدور في خلده، وبما يقتنع به عقله، وما يؤمن به قلبه. هكذا تربَّى، وهكذا نشأ، وهكذا تعلَّم، وهكذا يقول في الدوائر المغلقة، والجلسات المخصصة للأصدقاء والأقارب والتلاميذ، الذين يستزيدون من علمه “الوسطي”، وينهلون من عمله العلمي. شيخنا واحد من بين آلاف -إن لم يكن ملايين- المشايخ ورجال الدين، تزخر بهم منطقتنا على اختلاف انتماءاتهم ومعتقداتهم. كل منهم يحمل إيمانًا راسخًا بمعتقده، ورفضًا -بدرجات متفاوتة- لمعتقدات الآخرين، وإن لم يكن كذلك، لانتمى إلى هذا المعتقد أو ذاك.

والحقيقة أنه على العكس من كتيبة المتنورين والوسطيين والمتفتحين، الذين انبروا من بين الصفوف يصبون جام الغضب على رأس الشيخ، بعضهم من باب درء الفتنة، وبعضهم الآخر كضرورة من ضرورات الوجاهة الدينية، أشعُر بامتنان شديد للشيخ. ليس هذا فقط، بل إن دفاعه عن نفسه الذي شبَّهه أصدقاء بأنه “حاول أن يكحلها فعماها”، أضاء مصابيح المكاشفة، وأنار فرص المواجهة.

قال الشيخ في مداخلة، ليرد على مطالبته بالاعتذار بعد واقعة “فساد العقيدة”: “أنا مش عارف أعتذر ليه؟ عن أي شيء أعتذر؟ عن آية قرآنية تقول {ومن يبتغِ غير الإسلام دينًا فلن يُقْبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}؟! لو عايزني أعتذر علشان جرحت مشاعر الناس، عادي أعتذر! بس العقيدة مافيهاش اعتذار”. لكن الشيخ اعتذر، وهو اعتذار يعرف الجميع -سواء من أصحاب العقائد الفاسدة أو الصالحة- أنه من وراء القلب، لأن ما في القلب يبقى في القلب. وطالما بقي ما في القلب في القلب، يبقى الاحتقان سيد الموقف، ويستمر الاشتعال الذاتي ملوحًا في الأفق.

والسؤال هو: هل ضرب الشيخ التعددية في مقتل؟ نعم؟ لكنها في واقع الأمر صريعة منذ زمن. لقد أيقظ الشيخ بُؤَر التفكير التي ماتت سريريًّا، وحرّك مواطن المواجهة التي انتحرت طواعيَة. وعلينا أن نستغل الفرصة الذهبية إن أردنا.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.