الرئيسية > رأي عام > مقالات > العدالة الانتقالية في العراق
مصطفى سعدون (العراق)

العدالة الانتقالية في العراق

الأربعاء ٢٠١٨/٣/١٤م   |   ١٤٣٩/٦/٢٧ هـ

 

ما زال العراق يُواجه إرثًا كبيرًا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي ارتكبها نظام صدام حسين قبل 9 نيسان/أبريل 2003، ورغم تَوافُر إمكانات عبور تلك المرحلة وتجاوُزِها، إلَّا أن ذلك لم يحدث؛ فتفاقمت الانتهاكات، وازدادت أعداد الضحايا، وكثُر الذين يرتكبون الانتهاكات بلا محاسبة.

كان يُفترض أن يمر العراق في عام 2003 بمرحلة انتقالية، ويتجاوزها بعد عقدٍ أو أقلَّ للوصول إلى نظام ديمقراطي، يعقب ثلاثة عقود من العيش تحت سطوة نظام شمولي، لا يمُتُّ إلى الديمقراطية بصلة.

بحسب تعريف المركز الدولي للعدالة الانتقالية، فإن هذا المفهوم يُشير إلى “مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات”.

المرحلة الانتقالية التي كانت تنتظر العراق، لم تكن مجرد قارب يَعبُر بنا من ضفة العُنف والديكتاتورية وحُكم الحزب الواحد، إلى ضفة الديمقراطية والتداول السلمي للسُلطة، بل هي مرحلة يجب ألَّا تَخلو من العدالة التي فُقدت في فترة حُكم حزب البعث للعراق. ولأن هذه المرحلة يجب أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمحاسبة والإنصاف، سُمِّيت بالعدالة الانتقالية.

في العراق، وبعد سقوط نظام البعث بقيادة صدام حسين، كان من المؤمَّل أن نمر بمرحلة عدالة انتقالية، لكن القسم الأول من المصطلح أُزيل، وبقِيَ الثاني مستمرًا إلى الآن، ولا يُمكن أن نصِف هذا الملف إلا بأنه ليس بالناجح تمامًا؛ لأسباب عدة أبرزُها: ابتعاد مؤسسات الدولة العراقية عن الآليات التنفيذية لهذا المفهوم، وخضوعُها لمفهوم مزاجي وحزبي.

واحدة من أفضل التجارب التي يُمكن أن يُستفاد منها في مجال العدالة الانتقالية، هي تجربة جنوب أفريقيا التي تحولت في تسعينيات القرن الماضي، من نظامٍ عُنصري إلى دولة مواطنة، بعيدة عن التمييز بكافة أصنافه. في جنوب أفريقيا، رافقَت الآلياتِ القضائيةَ والقانونية، حركةٌ سياسية في ملف المصارحة وتحقيق العدالة، قادها الراحل نيلسون مانديلا، من خلال عملية تَوازُن أدت إلى التقاء قادة ومؤثرين في النظام السابق مع الذين سعوا للتغيير، وجرَت عملية إنهاء الدولة التمييزية، والذهاب إلى دولة مواطنة عَفَتْ عن بعض مرتكبي الانتهاكات، الذين ساعدوها على كشف الحقائق.

تعامُل المسؤولين في الدولة العراقية مع ملف العدالة الانتقالية بعد عام 2003، جرى وَفْق آليات عشائرية ثأرية لم تُنتج إلا ضحايا آخرين، وأسهمَت في إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب، ومِن ثَمَّ فشلُ الملف، وإنتاج كوارث عدة عاشتها البلاد.

عمِلَت الأحزاب السياسية التي كانت في المُعارضة، على فسح المجال أمام فصائلها المُسلحة وميليشياتها، في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان بحق من اعتقدَت أنهم “ضدها”، أو بحقِّ “مرتكبي” انتهاكات جسيمة أثناء فترة حُكم حزب البعث. لذا، شرَّدَت بعضهم، وقتلت بعضهم الآخر.

ارتكبت الأحزاب الجديدة جرائم عدة، وقامت بما هو أشبه بعمليات القتل الميداني (إعدام خارج إطار القانون)، لتُنهي بذلك دور مؤسسات الدولة العراقية، التي أُسست من أجل المحاسبة القانونية لأولئك الذين ارتكبوا الانتهاكات، في حين سمحَت في ذات الوقت، ولمصالح ربطَتها ببعض المشتركين في عمليات القتل والتعذيب قبل 2003، بالإفلات من العقاب.

يبدو أن الأحزاب التي سيطرت على مؤسسات الدولة، كانت تَنوي قبل مجيئها، عدم إعطاء أي دور للآليات القانونية في المرحلة الانتقالية، فغيَّبَت الإنصاف القانوني، والمصارحة، والتطهير القانوني، والتعويض المادي، وإعادة التأهيل، وغلَّبَت آليات العقاب العنيف دون محاكمات على كُل شيء؛ فأنتج مرحلة انتقالية غابت فيها العدالة، وسمحت لبعض مرتكبي الجرائم بالتمتع بحُرّية حَرَمُوا مُعارضيهم إيّاها.

ومع وجود مؤسسات وطنية استُحدثت بعد عام 2003 على أنها جُزء من آليات العدالة الانتقالية، وحمَلَت عناوين طويلة وعريضة مثل (المساءلة والعدالة، ومؤسسة الشهداء، ومؤسسة السجناء السياسيين)، إلا أنها كانت وما زالت مؤسسات خاضعة لرغبات سياسية، خاصة المساءلة والعدالة اللَّتَين شَمَلتَا بقوانين اجتثاث البعث مَن لم يرتكب الجرائم، وعَفَتَا عن أشخاص شاركوا في عمليات القتل والتعذيب؛ لأن مصلحة سياسية تربط أحزابًا تُسيطر على هذه المؤسسة بهم.

إن الوصول إلى مرحلتَي الفوضى والعُنف، وغياب دور مؤسسات الدولة، لم يأتِيَا من فراغ، بل لأن العدالة الانتقالية غُيبت، فازدادت مراحل العُنف والانتهاكات، وعُزِّزت الفجوة بين المجتمع والدولة، وتوسعت فكرة عدم الثقة بالمؤسسة القضائية.

غابت المصارحة والمكاشفة والمحاسبة لمرتكبي الانتهاكات في زمن حُكم صدام حسين، وغابت معها حقوق الناس، ولا عدالة رافقت انتقالنا من حُكم ديكتاتوري، إلى حُكم يُفترض أنه يؤسس لدولة مواطنة حقيقية.

في المحصلة، سيبقى العراق يواجه عقبات وتحديات ومعضلات، أنتجَتها وستُنتجها 14 عامًا من الانتقالات غير المكتملة، وغير المرتبطة بالعدالة. فلا مرحلة ما بعد صدام اكتملت، ولا العدالة تحققت.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.