الرئيسية > رأي عام > مقالات > الكهف الذي حرّك الإنسانية
وجدان بو عبدالله (تونس)

الكهف الذي حرّك الإنسانية

الأحد ٢٠١٨/٧/١٥م   |   ١٤٣٩/١١/٣ هـ

اِنتهى الكابوس، وها هم يُطلُّون كأنهم نائمون، وكأنّ البشريَّة تربِّت على أكتافهم السُّمْر النحيلة، وهم يُنقَلون إلى عربات الإسعاف. تحت دُثُر الطوارئ، أطلّت وجوه بقيّة الأطفال التايلنديِّين الاثني عشر، بعد أن بَقُوا عالِقين بصحبة مدرِّبهم 17 يومًا في كهف شمالي تايلند.

بكثير من الترقُّب، وبالعديد من الأدعية بشتَّى اللغات، تابع العالَم عملية الإنقاذ الدقيقة والمُضْنية، أو “المهمة المستحيلة” كما سمَّتها الصحافة، مهمّة تكاتَفَت فيها جهود 40 غوّاصًا من تايلند، مع جهود 50 غوّاصًا من دول أخرى، هُرِعُوا إلى نجدة الأطفال. كانت نهاية سعيدة لقصة صبر الجِباه الصغيرة. فبِفَضل التضامن الدولي غدَا المستحيلُ ممكنًا، وتلك الأرواح التي صمدت في وجه الجوع وقلة الأوكسيجين، عادت إلى ذَوِيها سالمة.

هذه القصة التي جاءت وسط جحيمٍ من قصص دراميّة، تنقُلها إلينا الصحافة العالمية كلَّ يوم، لم تُكتب لها نهاية سعيدة لولا تظافُر جهود المُسعِفين، حيث قدّم بعضُهم حياته فِداءً لأرواح الفتيان، كما هو حال ذلك الغوّاص التايلندي، الذي لفَظ أنفاسه في طريق العودة من الكهف بعد أن نفد الأوكسيجين. وأيضًا لولا جهود المتطوِّعين من شتَّى بلاد العالم، الذين قدَّموا على مدى أيام فصولًا جميلة من التضامن الإنساني.

يختلف التضامن الإنساني عن التعاون الدولي، الذي يتجسد في تلك الاتِّفاقيّات التي تُبْرمها حكومات دول فيما بينها بِاسم شعوبها. فالتضامن الإنساني قيمة بشرِيّة لا تَحكمها اتِّفاقيّة، بل هو تدخُّل فرد أو مجموعة، من أجل حماية فرد آخر ومجموعة أخرى في بقعة أخرى. هذا التضامن المتجرِّد من الأطماع الخارجية، والمترفِّع عن الحصول على مقابل، لا يُمْلي شروطًا سابقة قبل أن يُهرَع إلى نجدتك وقت الشِّدّة، ولا يتدخَّل في شؤون بلدك الداخلية بعد كل مساعدة، ولا يطمع بِبَسْط هيمنة جهةٍ حاكمة أو مانحة تخصُّه على أرضك.

التضامن الإنساني تَصرُّف إنساني خالص، متجرِّد من قوالب الأيديولوجيا، ومن مقرَّرات الأمم المتحدة، التي وضعَت مشكورة يومًا دوليًّا للتضامن الإنساني. التضامن الإنساني لا ينتظر جزاءً ولا شُكورًا. فهو يتحرك عن قناعة لإعلاء الذات الإنسانية وللمحافظة على كرامتها، ويكون متخلِّصًا من الإحسان والمِنّة؛ لأنه فِعل نابع من حركة فِطريّة. فالتخفيف مِن معاناة إنسان غريبٍ هو الفِطرة ذاتُها، وحِرصُك على سلامة فرد هو إعلاء للبشريّة جمعاء، وذَودُك عن عزّة شخص لا تعرفه هو صَون لكرامة البشر في كل مكان.

لقد انتظرْنا أولئك الأطفال التايلنديِّين كما لو كانوا أطفالنا، وكما لو كانوا سيَدُقُّون أبواب بيوتنا بعد قليل، ثم يسألوننا بعد إلقاء حقائبهم الرياضية أرضًا: “هل العشاء جاهز؟”.

في لحظة ما، تحوَّلَت البشرية، كلُّ البشرية، إلى أسرة صغيرة، كلُّنا فيها آباءٌ وأمَّهات للفِتْية التايلنديِّين. يا للمعجزة، لم نَفقد إنسانيَّتَنا بَعْد. إنسانيَّتُنا التي أصابها الخمول حتى كِدْنا نَخالُها قد فارقَت الحياة، ها هي تَنبض من جديد رَغْم الحروب والمجاعة والتهجير والفقر، ورَغْم قَوارب الموت التي تَلفظ كلَّ يوم في قاع البحر، أرواحَ الرُّضَّع والأطفال والحوامل والشيوخ.

لا أُحبُّ فكرة المُزايدة على أرواح الأطفال، ولا وَضْع مقارنات بين أطفال اليمن وفلسطين وسوريا والعراق والروهينغا، وأطفال الكهف في تايلند. لا أُطيق تلك الأسئلة الكريهة التي تُقذَف في الوجوه، كما لو كانت تنطلق من فُوَّهات البواريد كلَّما تحدَّثْنا بمأساة في بقعة ما من العالم، مِثل: “وماذا عن أطفال سوريا؟”.

كلُّهم أطفالنا، وكلُّ طفولة بائسة في مكان ما من هذا العالم، هي دليل فشلِنا وقُبحنا كبشر. كلُّ طفل يموت برصاصة أو غرقًا أو جوعًا، أو لأن عصابة سرقت أعضاءه، هو موتٌ لنا جميعًا. فالمزايدات تزيد من توحُّشنا، وتُبيح لنا أن نَظلم أكثرَ بالتضامن مع هذا قبل ذاك، كما لو كنّا نُفصّل ثوب التضامن على مَقاسات مختلفة؛ لِنَمنح مَن يَدِينُ بِدِيننا ويتحدَّث بِلُغتنا وينتمي إلى طِين أرضِنا، الفَضْفاضَ منها.

أنا التي تَتحسَّس بطنَها الخاوي كلَّما بكى طفل في مكان ما، أشعُر بأن كلَّ طفل فقدَ أمَّه هو طِفلي، وكلَّ طفل مهدَّد هو طفلي، وكلَّ طفل فقدَ عضوًا من أعضائه مِن جَرَّاء جشع عصابة، هو طفلي. أطفال الكهف كانوا أطفالنا، وقد عادوا سالِمين، ليتفَقَّدُوا إنسانيَّتنا.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.