الرئيسية > رأي عام > مقالات > المعركة الحقيقية للدول العربية
سيف بن ناصر المعمري (سلطنة عمان)

المعركة الحقيقية للدول العربية

الأربعاء ٢٠١٨/٤/٢٥م   |   ١٤٣٩/٨/١٠ هـ

 

كان العِلم (ذو المعنى) هو المحرك الحقيقي لبناء الوعي في اللحظات الصعبة، التي مرَّت بها كثير من المجتمعات الإنسانية؛ لأن التعلم يقود إلى تحرير الناس من الدعوات المضلِّلة التي يقودها بعضهم، للاستيلاء على الأوطان وتحويلها إلى ساحات للصراع فيما بينهم، وتحويل الناس وَقُودًا لهذا الصراع؛ فتتحول الأوطان العظيمة المتحدة والمتعايشة والمنيعة والمتنوعة عند الأجداد، إلى أوطان ممزَّقة ومتفرقة، ترفض بعضها بعضًا عند الأحفاد. فما الذي حدث لكي ترتدَّ هذه المجتمعات من حالة النور والبناء الحضاري، إلى حالة ظلاميَّة ترفضها الشعوب المتحضرة في العالم اليوم؟

هذا السؤال يَشغل بال كثيرين، ومنهم التربويُّون أمثالي. وأرى أن غياب معنى التعليم يُعدُّ عاملًا من العوامل التي تكرِّس هذه الحالة الظلاميَّة في الوطن العربي؛ أما العامل الثاني، فهو عدم إيمان بعض الحكومات بقيمة التعليم كأداة للتنوير والتفكير، والخلاص من حالة الاستلاب (التبعية والخضوع)، التي تعيشها المجتمعات على مختلف المستويات، والتي تجعلها لا تظهر في نشرات الأخبار العالمية إلا كمجتمعات ودول تقوم بالتقاتل، وتدمير نفسها، والتآمر على بعضها بعضًا، في وقت تظهر فيه الدول الأخرى في هذه النشرات، بأخبار تجسد الحياة والحضارة مثل افتتاح المتاحف، وإعلان الاختراعات، والاحتفاء بالكُتَّاب والفنّانين، وتعزيز الريادة في التعليم والبيئة وغيرهما من الجوانب.

إن القوى الظلامية والمستبدّة التي تريد استلاب حق الإنسان في المواطنة والمستقبل، تخشى دائمًا من تعليم يحرِّر الإنسان من قيوده، وينوِّر ذهنه ويفطِّنه بأساليب الهيمنة السياسية أو الدينية التي تُمارَس ضده، للاستحواذ على كل ثرواته، وإعاقته عن الفعل الحضاري. وهذا الخوف من التنوير، عبَّر عنه المستبدُّون في فترات تاريخية مختلفة. فيُحكى على سبيل المثال أن لويس السادس عشر ملك فرنسا، عندما وصلَتْه مؤلَّفات كل من فولتير وروسو، وهو في سجنه قبل أن يُعدم، صرخ قائلًا: “هذان الرجلان هما اللذان دمَّرَا فرنسا!”.

إنه اعتراف بتأثير الفكر والتعليم في تَدحرُج كرة الوعي إلى مختلف فئات المجتمع؛ ومِن ثَمَّ تتمكن من هزيمة هذه القوى التي تُصرُّ على أن تكرِّس الظلام والاستلاب، فتهزم رواياتها وخرافاتها وخطاباتها غير العقلانية، وتهزم استبدادها وعنفها وطائفيّتها، وتهزم أدوات التفرقة التي توظِّفها لتفتيت المجتمع، وتهزم أساليب تأجيج الصراع بين الطوائف والأفراد، واستنزاف طاقاتهم في التدمير بدلًا من تعبئة طاقاتهم في بناء أوطانهم. وهذا هو جوهر المأساة، التي تمر بها المجتمعات في المنطقة. والسؤال هو: كيف يمكن أن نُحيِّد التعليم بعيدًا عن أن يكون عامل تدمير، ونجعل منه عامل بناء؟

لا شك في أن التحذيرات الجادة التي أطلقها البنك الدولي في تقرير التنمية في العالم سنة 2018، حول أزمة التعلم في التعليم، التي تعصف بكثير من مجتمعات العالم الثالث، لا بد أن نأخذها على مأخذ الجِدّ، ونعمل جاهدين على عدم تحوُّل التعليم مِن قطار لصناعة الأمل، إلى قطار مدمِّر يُسهم في تأزيم الواقع العربي، وبناء الإنسان المسلوب غير القادر على الثورة على واقعه، وغير القادر على التعايش مع من حوله، وغير القادر على المواءمة بين متطلبات هويته، ومتطلبات الانفتاح في زمن العولمة، التي توفِّر أدوات لكل المجتمعات لتوظفيها في تعزيز نهضتها، وبناء الوعي لدى أبنائها.

لقد أشار البنك الدولي إلى أن التعليم بدون تعلُّم ليس مجرد فرصة ضائعة للتنمية فقط، إنما هو أيضًا ظُلم كبير للأطفال والشباب. ولقد عزا التقرير هذه الأزمة إلى القوى السياسية التي تساهم بعدم اكتراثها لِلتعليم، في تعميق حالة الظلم لدى الشباب، وتهيئة البيئة لمزيد من الصراعات والفقر والتمييز، حيث لا مهارات تواكب العصر وتساعد على الاستفادة من فرصها، ولا مهارات تفكير تساعد على تمييز الخطابات المضللة وتحليلها. فهل أصبح التعليم أداة لتعليم الجهل، على حد تعبير “نخلة وهبة” المستشار السابق لدى اليونسكو؟

يتضح مما تقدم أن المعركة الحقيقة للدول العربية ليست مع بعضها بعضًا، فهذه تحقق انتصارات زائفة مدمِّرة، ولكن المعركة الحقيقة هي الانتصار على أزمة التعلم، التي تتفاقم وتتعمق وتُولّد نتائج تحتاج إلى عقود طويلة لمعالجتها. المعركة تتطلب تسليح الطلَبة بالمعرفة، وتوجيهَها إلى العمل في مشاريع تنموية بدلًا من توجيهِها إلى ساحات القتال. إنّ ما تبْنِيه هذه الأجيال سوف يُولِّد رخاء لبقية الأجيال، وما يهدمه الاقتتال والصراع سيقود إلى تعاسة وبؤس وشقاء يمتد لأجيال. لذا، لا بد من بدء معركة تحرير التعليم من أزمته؛ لاستعادة الإنسان المسلوب من واقعه، ووضعِه على الطريق الصحيح.

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.