الرئيسية > رأي عام > مقالات > المُواطَنة بين عهد صدَّام وحُكم الإسلام السياسي
سهى عودة (العراق)

المُواطَنة بين عهد صدَّام وحُكم الإسلام السياسي

الأربعاء ٢٠١٨/٧/١١م   |   ١٤٣٩/١٠/٢٨ هـ

عندما سَيطر الجيش الأميركي في صباح أحد الأيام النَّيسانِيّة عام ٢٠٠٣ على مدينتِي، كنتُ مع والدي الذي وقف مُحدَودِبَ الظَّهر قليلًا مع رجال الجيران برؤوس منكَّسة، نراقب بدهشة فوضَى الدبّابات الأميركيّة. حينذاك بكَيتُ بِألم، واعتزلتُ في سِرداب بيتنا العتيق، وأنا شِبه متيقِّنة بأن العراق انتهى إلى الأبد بسقوط صدَّام. فقد علَّموني أن الرئيس هو الوطن، وولائي لــ “بابا صدَّام” هو دليل وطنيَّتي للعراق العظيم، وتلقَّنتُ في المدرسة أن الآخر المختلف هو “عدوّ إمْبِرياليّ” وكفَى.
أفَقتُ من الغيبوبة بعد خمس سنوات، لِأُدرك أن المُواطَنة حسب منهج القوميّة الأُحاديّة، ليست الشكل الوحيد والصحيح لبِناء العَقد بين الدولة والشعب. فالعلاقة بينهما يجب أن تتَّسم بالمساواة أمام القانون. ومتى ما وفَّرَت الدولة الحمايةَ للجماهير وحرِّيّةَ المشاركة السياسية في السُّلطة، باتت المُواطَنة حقًّا مكتسَبًا وواجبًا.
تغيِيبُ الوعي العامّ ومحاربةُ مُشجِّعِيه، كانَا من أفضل السُّبل لبِناء مواطَنة مَهزوزة لأجيال كثيرة في الدول العربية. حكومات تأسَّسَت بسيطرتها على المناهج التعليمية، وتصميمها بما يخدم مصالحها، إضافة إلى الخطاب الديني، الذي كان الوجه الآخر للخطاب السياسي الموجَّه بِعَصا الحاكم بأمر الله. ولا ننسى الهيمنة على قنوات الإعلام، وتحجيمَه بِأيدِي المُوالِين للحاكم وحاشيته.
بعد عام ٢٠٠٣ تعدَّدَت الأحزاب؛ بعدما اخترع السياسيُّون دُستورًا لعراقٍ أسمَوهُ “العراق الجديد”، وتضخَّمَت ميزانيَّة الدولة مع زيادة الصادرات النفطيّة. وقد عرَف الشعبُ العراقي حرِّية الانتخاب والتعبير، فبات ينتقد الأوضاع في وسائل الإعلام، وينام بعد أن يَشْتم السياسيِّين كلَّ ليلة على مواقع التواصل الاجتماعي. فهل أصبح شعبنا اليوم وطنيًّا أكثر؟
كلُّ الصِّراعات، ابتداءً من حُكم الإسلام السياسي، إلى الطائفية، ثم النزاع على الهُوِيَّة، مرورًا بهيمنة التطرُّف، ووُصولًا إلى محاولة الانقلاب على الديمقراطيّة المُقَولَبة، عبْرَ حرق صناديق الاقتراع في الانتخابات الأخيرة تُشير إلى تعدُّد الأيديُولوجيّات المستخدَمة لإقناع الأجيال، بِتبنِّي قضايا ليست بالضرورة من قضاياها، وتحويلها عبر الوقت إلى أكباش فِداء لمصالح سياسية فرديّة، تُساهم في تَشْظِيَة (تَفْريق) المواطَنة للشَّعب إلى ولاءات طائفية، ومذهبية، وقومية، وعشائرية… إلخ.
تقول الكاتبة الإيرانيّة أزار نافيسي: “حتى يتغير وعي العالم تجاه العراق من الحروب والانفجارات والإرهاب المتزايد، وينظر لوجهه الحقيقي، من الأجدر أن لا نغيّر مواقفنا السياسية والعسكرية فحسب، بل أن نغيّر نظرتنا إلى شعب العراق أيضًا”. وترى الكاتبة أن هذا الوعي لا يتشكَّل من خلال النظر إلى الزعماء والمتطرِّفين المسيطرين على الحكم، بل من خلال معرفة أوجُه التشابه بين ثقافة العراق وثقافة الغرب. فالعراقيُّون يَطمحون إلى الحقوق والأمنيَّات ذاتها، التي يتمتع بها الغرب.
المُواطَنة وتعزيزها لدى الشعوب، ترتبط غالبًا بالتوجُّه المدني للمجتمعات، وتراها تختفي كلَّما ازداد تجييش الشعوب للحروب، مشحونة بالخطاب القومي أو الديني الموحّد. والتجارب الديمقراطية التي دخلَت بلدانَنا، لم تكن كفيلة بدعم المدنية. فعلى الأغلب كانت ديمقراطيَّات “سياسية”، ولم تكن “ثقافية”. لذا، لم تكن النتائج ناجحة، ومتى ما ساهم الشعب في تشكيل ديمقراطية لا تمرُّ من خلال عباءة الحاكم أو عمامته، ازدهرت الحرّية، ونمَت المساواة بين الشعوب والدول.
يرى بعضهم أن العراق الحديث بعد الحرب العالمية الأولى، قام بسبب التوافقات السياسية وليس على أساس وعي الشعب ونضاله، ويفسِّرون التناحر المستمرَّ والرغبات الانفصالية الآن، على هذا الأساس. لكن الشواهد التاريخية تروي رأيًا آخر. ففي عام ١٩٢٤ ظهرَت مشكلة فصل المَوصِل عن العراق ومحاولة ضمِّها إلى تركيا، فبدَت الكثير من المواقف الوطنية السياسية والشعبية، التي تحدَّث بها مثلًا الكاتب فاضل حسين في كتابه (مشكلة الموصل)، حيث يقول:
“جاء تصريح وزير المالية العراقية ساسون حسقيل مؤكِّدًا أن أعيان ولاية الموصل ونوّابها يرغبون البقاء في العراق”.
في حين قال نائب كردي إن: “الأكراد لا يريدون الانفصال عن العراق ولكنهم يطالبون بالامتيازات الإدارية”. أمَّا موقف أهالي الناصريّة، فجاء ليؤكد “أن بغداد تُسقَى بماء الموصل، وتَحصل الموصل على طعامها من التجارة البحرية عن طريق بغداد. وعلى هذا فلن نوافق مطلقًا على فصل ولاية الموصل عن العراق”. هذه الروايات تدلُّ على الوعي الجماهيري العراقي، بضرورة وجود هُوِيّة وطنية مشتركة، وإنِ اختلفت الآراء في النهاية.
لا أقصد المقارنة كثيرًا. لكن، بالعودة لأحداث انتخابات تركيا الأخيرة، ومهرجان (يوم القدس) الإيراني، والضجّة التي أقامها العراقيُّون حول الحدَثَيْن، نُدرك بسهولة قدر الولاءات الإقليميّة اليوم. “فوطني لم يَشْهد زُورًا يومًا. لكن، شَهِدوا بالزُّور عليه”.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.