الرئيسية > رأي عام > مقالات > الهويات القاتلة للشعور الإنساني
فادي ضو (لبنان)

الهويات القاتلة للشعور الإنساني

السبت ٢٠١٧/٩/١٦م   |   ١٤٣٨/١٢/٢٥ هـ

إذا كان الاختلاف في الهوية الدينيّة يجعل الناس أقل تضامنًا مع غيرهم، فهذا يدلّ على خلل كبير في الأمر. فإن دعا الناس باسم الدين إلى عصبيّة، يُحوّلونه إلى آفة اجتماعية وخطر يُهدّد البشريّة. لذلك إن سأل أحدهم عن هويّة الضحيّة، أو المظلوم، أو المحتاج، ليُحدّد حجم تضامنه معه، ومساعدته له، فهو يكون قد فقد جوهر إنسانيّته. وإن فعل ذلك بسبب انتمائه الديني، فهو يُفقِد هذا الدين علّة وجوده، أعني خير البشريّة. عندما اختصر السيد المسيح كلّ الدين بمحبّة الله ومحبّة القريب، سأله أحدهم ليُحرجه: ومن هو قريبي؟ فاختار المسيح في جوابه مَثَل “السامري” ليقول بأن كل إنسان هو قريب أخيه الإنسان، بدءًا بالغريب والمختلف عنّي ثقافيًّا، أو إثنيًّا، أو دينيًّا. كما أكّد النبي محمد لأتباعه أنَّ أَتْقاهم من يكون أنفعهم لعيال الله، مبيّنًا في مكان آخر أنّ جميع الناس هم عيال الله.

لقد شاهدنا أخيرًا نماذج مضيئة من هذا التضامن مع الروهينغا المضطهدين في الميانمار، وهم أقليّة مسلمة تعيش وسط أكثريّة بوذيّة. فلقد أطلق رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس نداءً حارًّا للتضامن معهم ووقْف الاضطهاد بحقّهم. كما بكّتَ رئيس أساقفة أفريقيا الجنوبية السابق ديسموند توتو، الفائزة بجائزة نوبل للسلام أونغ سان سوكيي، لعدم وقوفها بوضوح في وجه هذا الظلم. وأجمل من ذلك، فقد كتب مجموعة من الإيزيديين من العراق رسالة مفتوحة موجهة إلى المسلمين الروهينغا، معبّرين لهم عن تضامنهم العميق معهم، وهم قد عرفوا أقسى أشكال الاضطهاد والألم، رافضين أن يخلطوا بين هذا الشعب المظلوم، ومن اضطهد الشعب الإيزيدي باسم الإسلام. وجاء تصريح الدلاي لاما، وهو الرئيس الروحي للديانة البوذية مدوّيًا، عندما قال: “لو كان بوذا بيننا اليوم، لكان وقف إلى جانب الروهينغا ودافع عنهم بوجه من يضطهدهم من البوذيّين”.

كل هذه المواقف المشرّفة، ليست سوى التطبيق الفعلي لما هو واجب على كل إنسان، أعني التضامن الإنساني الشامل، بسبب وحدة البشريّة ووحدة الحقّ. ولكنّنا، وللأسف، إذ نفرح ونهلل لهذه المواقف التي يُفترض أن تكون طبيعيّة وعادية، فهو لأنّه اعتدنا أن نعتبر، أو على الأقل أن نرى الآخرين يعتبرون، أنّ التضامن واجب داخل كل جماعة دينيّة، والشماتة محقّة تجاه الآخرين عندما يُصيبهم مصاب. إنّ هذا الموقف يجعل من الناس ذئابًا متصارعة، وكأن وجود الآخر يشكّل حتمًا تهديدًا لي، وموته انتصارًا لي ولجماعتي.

إنّ لهذا الموقف المريض والمقيت أسبابًا عدّة، أعتقد أنّ أهمّها اعتبار الدين مصدرًا لهويّة خاصة لدى أتباعه. يُنتج هذا الأمر مواقف تتناقض مع المنظومة الأساسيّة في التعاليم الدينية، وتُحوّل الدين من طاقة للعمل لتعزيز الخير أينما وُجد، بما فيه لدى الآخرين، وللتنديد بالشر ومواجهته من أينما أتى حتى ولو كان ذلك صادرًا عن أبناء الدين ذاته، إلى بوتقة تعيش على العصبيّة، معيارها النصر والغلبة، لا الخير والحق.

في كتابه “الهويات القاتلة”، كتب أمين معلوف: “إذا كان البشر في كل الدول وكل الظروف وكل المعتقدات يتحوّلون بهذه السهولة إلى قتلة، وإذا كان المتعصّبون من أي جنس قادرين بهذه السهولة على فرض أنفسهم بوصفهم المدافعين عن الهوية، فذلك لأنّ مفهوم الهوية القبائلي الذي ما زال سائدًا في العالم كلّه هو الذي يهيّء لمثل هذا الانحراف”. يعتبر معلوف أنّ المفهوم القبائلي للهويّة هو الذي يجعل من أحد انتماءات الشخص مُسيطرًا على كامل أبعاد شخصيّته، ويُعطَى صفة الهوية. أوافقه الرأي هنا، إذ برأيي أن مصطلح الهويّة يجب أن يُعبّر حصرًا عن الذات الفرديّة لكل إنسان، وهي بطبيعتها التكوينيّة والاجتماعية متمايزة عن أي كائن آخر. فالهويّة فرديّة وذاتيّة؛ أما الانتماءات فهي جامعة ومتعدّدة. فلكل إنسان هوية واحدة فريدة، هي التي يُعبّر عنها بـ”الأنا” التي تجعل منه شخصًا حرًّا ومسؤولًا. وتحتوي هوية كل فرد على العديد من الانتماءات المشتركة مع الآخرين، مثل الوطن، والدين، واللغة، والعائلة، والجماعة المهنيّة، إلخ.

الانتماء الذي يتحوّل إلى هويّة يُصبح قاتلًا للفرد والإنسانيّة معًا، ولكن بوجوده ضمن الهوية الفردية لكل إنسان، يكون الانتماء مساحة لا بل منصّة للتواصل مع الآخرين الذين يشتركون في هذا الانتماء، والذين هم خارجه، على أساس الخصوصيّة المنفتحة على شمولية الشعور الإنساني والقيم الجامعة، والمحقّقة للخير والحق. يقول أمين معلوف إنّه يمكن لكلمة هوية أن تكون “صديق مزيّف”. فهي برأيه “تبدأ بالكشف عن تطلّع مشروع، وتصبح فجأة أداة حرب… نفضح الظلم وندافع عن شعب يعاني، ونجد أنفسنا في الغداة شركاء في مذبحة.”. لهذا، حبّذا لو تكون الأديان مساحات مفتوحة على شمولية القيم الإنسانية، والهوّية خصوصية كل فرد في عيش هذه الشمولية انطلاقًا من غنى انتماءاته الخاصة.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.