الرئيسية > رأي عام > مقالات > بوذا والعنف والحقيقة الغائبة
عامر الحافي (الأردن)

بوذا والعنف والحقيقة الغائبة

الإثنين ٢٠١٧/٩/١١م   |   ١٤٣٨/١٢/١٩ هـ

تزداد صعوبة تغيير الصور النمطية الرائجة للآخر الديني كلما ازدادت حدة الصراعات السياسية والعرقية، وفي ظل هذه الأجواء تصبح الدراسة الحيادية مريبة وغير مُجدية في كثير من الأحيان.

تقتضي النظرة الموضوعية لدراسة الأديان ضرورة الرجوع إلى المصادر الأساسية لها قبل إصدار الأحكام عليها، وفي هذا السياق يمكن الحديث عن موقف بوذا من مسألة العنف، والذي أصبح وكأنه حقيقة ثابتة في ظل الجرائم التي اقترفها بعض البورميين من أتباع الديانة البوذية، بحق الروهينجا المسلمين في بورما.

تشتمل تعاليم بوذا على دعوة أتباعه إلى فضائل الأخلاق والكف عن الكراهية والبغضاء، بحيث توشك أن تكون تعاليمه فلسفة أخلاقية أكثر منها ديانة بالمعنى العقائدى والطقسي، وفي هذا السياق يؤكد بوذا أن القتل يمثل أولى الخطايا التي تنقسم عنده إلى ثلاثة أنواع، وهي: خطايا الجسد، وخطايا اللسان، وخطايا الفكر. "خطايا الجسد الثلاث هي: القتل، والسرقة، والزنى. خطايا اللسان أربع هي: الكذب، والافتراء، والشتم، والكلام الباطل. خطايا الفكر الثلاث هي: الطمع، والبغض، والضلال". وفي نص آخر يجعل بوذا القتل أول أشكال الشر: "الشر هو القتل والسرقة والفجور والكذب والاغتياب والخبث والثرثرة والحسد والحقد والإيمان بعقائد باطلة".

يرفض بوذا فكرة العنف من جذورها. فالإنسان عنده لا يمكن أن يبلغ الحقيقة ما دام يرغب في إيذاء الآخرين "إذا لم نرغب في أذى الآخرين وصرنا طاهرين كجوهرة صافية تعكس نور الحقيقة".

وبحسب تعاليم بوذا لا يجوز للبوذي أن يقابل البغضاء بالبغضاء، وإنما يجب عليه أن يزيل البغضاء من نفسه: "ليس بالبُغض يهدأ ويستكين البغض، البغض يهدأ ويستكين بإزالة البغض نفسه، هذا هو القانون الخالد". ويربط بوذا مفهوم الشر بثلاث خطايا ومن ضمنها البغض، فيقول: "جذر الشر هو الشهوة والبغض والوهم". ومن شروط طهارة القلب عنده كفُّ البغض والحقد تجاه الأعداء "طهِّروا قلوبكم من الخبث، لا تزرعوا أبدًا البغض والحقد حتى ضد أعدائكم". وعدم مقابلة الشر بمثله يمثل أساسًا متينًا في تعاليم بوذا "لنعش إذن سعداء دون أن نضمر أية كراهية للذين يكرهوننا. ولنسكن بين الناس الذين يكرهوننا خالين من أي بغض".

وفي نص واضح يؤكد بوذا أن كل حرب يسعى فيها الإنسان إلى قتل أخيه هي مؤسفة "يعلم التاثاغانا أن كل حرب يحاول فيها الإنسان قتل أخيه هي مؤسفة...". ويرفض بوذا إراقة دماء القرابين الحيوانية التي كانت سائدة في الهندوسية، ويجعل اقتلاع "الفجور" هو الفضيلة الحقيقية التي تفضي إلى طهارة القلب "ليس لإراقة الدم أية فضيلة مطهرة، لكن اقتلاع الفجور من القلب يجعل القلب طاهرًا".

ويجب على الأتباع الحقيقيين لتعاليم بوذا العمل على نشر اللطف والرفق في كل مكان "ازرعوا اللطف والعطف والرفق يمينًا وشمالًا وفي كل مكان".

وبالإضافة إلى التشابه الكبير بين التعاليم الأخلاقية التي نادى بها بوذا وما جاء في الإسلام، يمكننا أن نجد في أقوال بوذا إشارة قوية وعميقة تبشر بنبوة محمد كما في قوله: "قال المغبوط البوذا الذي بعدي يدعى ميتريا وهو الذي يعني اسمه الجودة والطيبة واللطف والرفق والحلم والتساهل والمحبة".

كثيرًا ما نمتدح شجاعة وموضوعية الباحثين غير المسلمين الذين يرفضون إلصاق أعمال الإرهاب والعنف بالإسلام، رغم عمليات القتل والإرهاب التي تجري باسمه في أماكن عديدة من العالم. في حين يصبح هذا المديح مدعاة للذم والتشكيك في النوايا، عندما يسعى بعض الباحثين المسلمين إلى نفي نسبة الجرائم التي يرتكبها بعض أتباع الأديان الأخرى باسم ديانتهم، كما هو الحال اليوم في الجرائم التي تقترف بحق مسلمي بورما على يد بعض المنتسبين إلى الديانة البوذية.

إن موقف بوذا الرافض لكل أشكال العنف والقتل ليس موقفًا عمليًّا أو براغماتيًّا، وإنما هو موقف يقوم على نظرة أخلاقية عميقة ترتبط بالمبادئ الأساسية لتعاليم بوذا، والتي تؤكد أن بلوغ السعادة العظمى والاستنارة والتحرر الروحي لا يمكن أن يكون دون أن ينزع الإنسان البغضاء والكراهية من جذورها.

يجب على الحكماء من أتباع الأديان العمل على منع استغلال أديانهم في إشعال الحروب والصراعات، والسعي نحو تنقية صورة الأديان مما علق بها نتيجة ممارسات قبيحة لبعض الأتباع. وعندما نبلغ هذا المسعى ندرك أن القتلة والمجرمين لا يمثلون حقائق الأديان، إلا بقدر ما يمثل "زبد الأودية" الماء المنهمر من السماء.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *