الرئيسية > رأي عام > مقالات > بَشريَّة الأنبياء
عامر الحافي (الأردن)

بَشريَّة الأنبياء

الثلاثاء ٢٠١٨/٤/٢٤م   |   ١٤٣٩/٨/٩ هـ

 

يشترك الأنبياء في طبائعهم واحتياجاتهم وهمومهم وآمالهم مع سائر البشر، ولا تشكِّل حالة الوحي بين الناس سِوى استثناء يقع على فئة محدودة منهم: {قُل إنَّما أنا بشرٌ مثلكم يوحىٰ إليَّ أنَّما إِلهكم إلَٰهٌ واحدٌ} [الكهف: 110]. وهذا يعني أن معرفةَ بشريةِ الأنبياء، سابقة على تصديقهم والإيمان بما جاؤوا به.

لا يخرج الأنبياء عن مقتضيات بشريَّتهم بعد نزول الوحي عليهم. وقد ذكر القرآن أنهم يشعرون بالخوف: {فأوجسَ في نفسهِ خيفةً مُوسىٰ} [طه: 67]، والحَياء: {إنَّ ذلكم كان يؤذي النَّبيَّ فيستَحيي منكم} [الأحزاب: 53]، والنسيان: {ولقدْ عهدنَا إلى آدمَ مِن قبلُ فنسيَ ولَم نجد لهُ عَزمًا} [طه: 115]، والتأثُّر بعاطفة الأُبوَّة، كما هو الحال مع نوح عندما رقَّ قلبه لابنه، وناداه ليركب معه الفُلْك رغم نهي الله له عن فعل ذلك.

ويتأثر الأنبياء بثقافة أقوامهم، كما في إجابة النبي عليه السلام عندما سئل عن حرمة أكل لحم الضَّبّ، فقال: “لم يكن بأرض قومي فأجِدُني أعافُه” (البخاري). وأيضًا عَمِل الأنبياء في مجالات مختلفة، لكنّهم جميعًا رَعَوا الغنم حسب ما جاء في الحديث: “قالوا: أكنتَ ترعى الغنم؟ قال: وهل مِن نبيٍّ إلَّا وقد رعاها”) البخاري).

وقد سعى بعض الرافضين لرسالات الأنبياء، إلى تبرير رفضهم من خلال الاستخفاف ببشرية الأنبياء، واعتبارها عائقًا أمام نبوَّتهم: {وقالُوا مال هذا الرَّسُول يأكُلُ الطَّعام ويمشي في الأَسواقِ} [الفُرقان: 7]، وكأنَّ الطعام ومخالطة الناس والعمل، أمورٌ تُخالف معنى النبوة التي في أوهامهم. ولم يقتصر هذا الاستخفاف ببشرية الأنبياء على غير المؤمنين برسالاتهم، بل تعدَّى ذلك إلى بعض أتباع الأنبياء، الذين رأوا في نزع بشرية الأنبياء تأكيدًا لعظمتهم وكمالهم! وربما كانت المنافسة بين أتباع الأديان في إظهار عظمة أنبيائهم ومعلِّميهم، دافعًا إلى المبالغة في تقديسهم ونزع سماتهم البشرية.

أدَّى تضخُّم مفهوم عصمة الأنبياء في الفكر العَقَدِيِّ، إلى أن تُنزَع من الإنسان سماتُه البشرية التي خلقه الله عليها. وقد امتدَّ هذا المفهوم ليشمل سلوك الأنبياء قبل النبوَّة وبعدها، وامتد أيضًا ليشمل صغائر الذنوب بالإضافة إلى الكبائر، ثم اتسع ودخَلَهُ مَن انتسب إلى سلالة الأنبياء وأصحابهم الأوائل والأسلاف القدماء والعلماء. والواقع أن القرآن الكريم لم يذكر عصمة الأنبياء سوى مرة واحدة، في سياق تبليغ الرسالة على وجه الخصوص: {يا أيُّها الرَّسولُ بلِّغ ما أُنزلَ إليكَ من ربِّكَ وإِن لم تفعل فمَا بلَّغتَ رسالتهُ واللَّهُ يعصمُكَ منَ النَّاسِ} [المائدة: 67].

لقد أثَّر تضخُّم مفهوم العصمة في جملة من المفاهيم، وأبرزها مفهوم السُّنّة؛ فأصبحت السُّنّة في نظر كثير من الناس مساوية للقرآن، بل وحاكمة عليه. ولم يميِّز هؤلاء بين تصرفات النبي التي تتصل بالتبليغ والتشريع، وهي الاستثناء، وتصرفاتِه البشرية والوظائف الاجتماعية والسياسية التي كان يقوم بها في مجتمعه، والتي تتصل بوسعه البشري ومعرفته الاجتهادية العقلية.

ومن الأمثلة التي تؤكد اجتهاد أيِّ نبي، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتخاصمين الذين كانوا بباب حجرته: “إنما أنا بَشرٌ، وإنه يأتيني الخَصمُ، فلَعلَّ بعضَكم أن يكون أبلَغَ من بعض، فأحسِبُ أنه صادق فأقضِي له بذلك…” (البخاري)، وقولُه لأصحابه عندما سهى في صلاته: “أنا بشرٌ أنسى كما تَنسون، فإذا نسيتُ فذكِّروني” (ابن ماجة). وأيضًا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشرٌ أرضَى كما يرضَى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيُّمَا أحَدٍ دعَوتُ عليه من أمَّتي بدعوة ليس لها بِأهلٍ، أن يَجعلها لَهُ طَهورًا وزكاةً وقُربةً يُقرِّبه بها منه يوم القيامة” )رواه مسلم).

الأنبياء يأكلون، ويشربون، وينامون، ويتزوجون، ويتألَّمون، ويَمرضون، ويُصيبون، ويُخطئون، ويموتون، ويُقتلون؛ وهم يخضعون للقوانين ذاتها التي يخضع لها البشر جميعًا: {وما مُحمّدٌ إلَّا رسولٌ قد خلت من قبلهِ الرّسلُ أفإنْ ماتَ أَو قُتلَ انقلبتُم على أعقَابِكُم} [آل عمران: 144]. وتكمن عظمة الأنبياء في كونهم قدوة للناس، في مواجهة المصائب والصعاب، وفي العمل والاجتهاد والأخذ بالأسباب، والبحث عن مكارم الأخلاق. ولو لم يكونوا بَشرًا يصيبون ويخطئون ويتوبون ويستغفرون، لَمَا كانوا جديرين بذلك كله.

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.