الرئيسية > رأي عام > مقالات > تاء مربوطة على مرمى حجر
أمينة خيري (مصر)

تاء مربوطة على مرمى حجر

الأربعاء ٢٠١٧/٧/٠٥م   |   ١٤٣٨/١٠/١١ هـ

الوضع في القاعة ليس كخارجها، والكلمات المتداولة هنا تختلف كل الاختلاف عن تلك الشائعة هناك، والمواقف المتخذة في الداخل على طرف نقيض من تلك السائدة في الخارج. هذا على الرغم من أن النساء المكرَّمات والمشاركات في مبادرة “مصر تستطيع بالتاء المربوطة” في داخل القاعة، هن أنفسهن الموجودات خارج القاعة في الشوارع والميادين.

الميدان النسوي المعادي للرجل لم يعد مطروقًا، كثيرون وكثيرات أيقنوا عدم منطقيته واستفاقوا. لكن الإفاقة درجات، والوعي الشعبي ينقسم إلى فئات، والدور الملقى على عاتق الجميع لم يعد جامدًا متحجرًا.

الحجر الصغير الذي ألقاه صبي في الـ13 من عمره، على سيارة تقودها فتاة شابة ومعها صديقاتها الثلاث، كان له ما يبرره: “كاشفين شعرهم وما فيش معاهم راجل يلمُّهم”! (يقصد أنهن لا يرتدين حجابًا يغطي شعرهن). هكذا دافع الصبي عن حجره الصغير الملقى بغرض التقويم والتهذيب للفتيات. الأولى طبيبة، والثانية معلمة، والثالثة معيدة في الجامعة، والرابعة مهندسة.

الفتيات الأربع المراد تقويمهن من قبل الصبي، لا يختلفن كثيرًا عن الفتيات والسيدات المشاركات على مرمى حجر -لكن من نوع آخر- في القاعة. مصريَّات مهاجرات في مشارق الأرض ومغاربها: عالمة النانو تكنولوجي، ومستشارة اقتصاديات الدول، وأول امرأة عميدة لكلية هندسة في كندا، ومهندسة طائرات، وخبيرة مديونيات، وعضوة برلمان، وخبيرة إرهاب، وقائدة صواريخ في البحرية.

الصواريخ الفكرية في داخل القاعة حيث مبادرة مصرية رسمية للاستفادة من خبرات نساء مصر المهاجرات فعليًّا (عبر نقل الخبرات)، ونفسيًّا (من خلال تقديم القدوة والمثل)، في وادٍ، والصواريخ الفكرية خارج القاعة في وادٍ آخر تمامًا. عوامل كثيرة دفعت المرأة المصرية من مرحلة النهوض والتنوير، إلى الجمود والتسويد. وبدلًا من التعددية في الأدوار والأنماط والأفكار والأشكال، باتت التعددية والمرأة كلمتين بينهما تضادّ.

التضاد الواضح والعراك البائن بين صورة المرأة المتوقعة شعبويًّا من جهة، والطبيعة والفطرة اللتين خلقهما الله سبحانه وتعالى، يضع المرأة العربية بوجه عام (وليس المصرية فقط) في موقف بالغ الصعوبة. فبينما المؤتمرات تقام، والمبادرات تُشنّ، والنماذج تطرح من نساء عربيات يعتبرهنَّ العالم مثالاً للنجاح وأيقونة للتفوق والتميُّز، يُصرُّ الشارع على حبسهن وتكبيلهن وتنميطهن في قالب واحد لا ثاني له.

الصبي الذي فوجئ بالشابات الأربع يطرحن نموذجه الوحيد والمثالي من المرأة أرضًا، فلا هُنَّ يغطين شعرهن، ولا في صحبتهن رجل يسيطر على جنوحهن؛ لم يجد إلا حجرًا لردعهن. صحيح أنه إن مرض فقد يلجأ إلى الأولى، وإن ذهب إلى المدرسة فقد تكون معلمته الثانية، وإن التحق بالجامعة فقد تكون الثالثة أستاذته، وفي حال سافر جوًّا فقد تكون الرابعة مَن أَجْرَت عملية الصيانة للطائرة، لكنه ما زال يعتبرهن خارجات عن صورة نموذج المثالي، كما تعلَّم أو تلقَّن أو عايش.

معايشة الظروف والأحوال التي تعيشها النساء هذه الآونة، أقرب ما تكون إلى الروايات الهزلية. ملايين النساء يهدرن سنوات عمرهن الثمينة في محاولات منافية للمنطق، من أجل الاقتراب من صورة النموذج المرأة المثالي في المجتمع. والأمر لا يقتصر على سنوات مهدورة، بل يمتد إلى فرص مغدورة. فحين يتم تُلقَّن المرأة منذ نعومة أظفارها أنها ناقصة وغبية ومحدودة ومسكينة، فهي تبذل جهدًا مضاعفًا لإجهاض أفكارها البنَّاءة ومواهبها المتفردة وقدراتها الفذة وأحلامها الخفاقة، ظنًّا منها أن كل ما سبق يدينها. وحين تشارك أو تشاهد أو تسمع بمبادرة، كتلك التي جرى تدشينها في مصر “مصر تستطيع بالتاء المربوطة”، تعتقد أن الطريق باتت ممهدة لتستقبل طموحها الموؤود، وتستعيد ثقتها المجهضة. لكنها تخرج إلى الشارع ليجري قذفها بحجر.

وإذا كان الحجر قادرًا على تهشيم زجاج سيارة، راكباتها خرجن عن صورة النموذج المنتظر من المرأة، فهو قادر أيضًا على تحريك المياه الراكدة في مجتمعات كانت تسير نحو نهضة تحمل ملامح التعددية والاختلاف، والاحتفاء بهما، ممثلتين بالنساء صاحبات الأدوار المختلفة، فإذ بها تهرع نحو مستنقع يرفض وينبذ (وربما يكره ويكفر ويقتل ولو قتلاً معنويًّا)، كل من تشذ عن صورة النموذج المثالي.

تنهيدة عميقة ذات مغازٍ عديدة، صدرت عن كثيرات ممن تابعن قائدة الصواريخ مصرية الأصل تتحدث عن نجاحاتها، وعميدة الهندسة تحكي عن انفراداتها، وخبيرة المديونيات تستعرض تفاصيل حياتها. لماذا؟ لأنه على مرمى حجر من قصص النجاح الممكن، حجر آخر يستقر على كل قصة أو مشروع قصة.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.