الرئيسية > رأي عام > مقالات > تعددية الـ90 دقيقة
أمينة خيري (مصر)

تعددية الـ90 دقيقة

الثلاثاء ٢٠١٧/٨/٠١م   |   ١٤٣٨/١١/٩ هـ

الجمهرة واحدة، وهتافات التنديد متطابقة، وصيحات التأييد متوافقة. قد يكون مقهى “البستان” في القاهرة، أو “فيكا” في كوالالومبور، أو “الشابندر” في بغداد، أو حانة “الكلب والديك” في لندن، أو “دل دييغو” في مدريد، أو غيرها من مقاهٍ وحانات وتجمعات المعمورة. اللغات مختلفة، والهيئات متفاوتة، وأسعار المشروبات بعملات متراوحة. لكن هذه الساحرة المستديرة وحدها أثبتت أن الجميع متشابه.

التشابهات المذهلة في المشاعر والتعليقات وحتى في لغة الجسد، تستحق التوقف والتفكر. مباراة كرة قدم يلعبها فريقان في إسبانيا، أو في البرازيل، أو في تونس، تجذب سكان المعمورة على قلب رجل واحد (على اعتبار أن الرجال أكثر ولهًا من النساء إلى تلك اللعبة). نظرة سريعة إلى مقاهي الشرق والغرب والشمال والجنوب، بينما “ريال مدريد” يناطح “برشلونة”، أو “مانشستر” يساجل “أرسنال”، تشير إلى إمكانيةٍ للتعايش.

هذه الإمكانية التي تتبدد آمالها وتتبخر أحلامها على مدار الساعة، تفرض نفسها فرضًا في كل مباراة. ربما يشجع هؤلاء المناضلون فريقًا يشجعه أعداء النضال، وربما يدعم أولئك المؤمنون فريقًا يدعمه “الكفار”، وربما أيضًا يمضي القابعون في الجنوب ساعات في انتظار المباراة، التي ينتظرها كذلك القابعون في الشمال. كل من يعشق الساحرة المستديرة يجد نفسه متحدثًا لغة تجمعه وبلايين، يعرف بعضَهم ولا يعرف أغلبهم في أرجاء الكرة الأرضية.

هذه الكرة التي نشعر بأنها قاربت على الانفجار في وجوه ساكنيها، تستكين وتتحول كائنًا وديعًا حين يبدأ بث المباراة. لا يهمُّ إن كان التعليق بالعربية أو الإنكليزية أو حتى الأمهارية، ما يهم هو قلب المباراة ومحتواها واللعبة الحلوة. ولا يهم إن كان الجمهور يهتف بلغات مفهومة أو إشارات معروفة، ما يهم هو أجواء التشجيع. ولا يهم إن كانت مقصورة كبار الزوار تحوي رئيس الجمهورية أو ممثلي الأندية أو مخصصة للأقارب والمعارف، ما يهم هو من سيتسلم الكأس ويسعد جمهوره، ومن سيغادر مصحوبًا بلعنات جمهوره.

لعنة تجاهل قيمة الساحرة المستديرة في جعل الكوكب مكانًا أفضل، تطارد الجميع. فهم يحصرونها في مسابقات وتمارين ومراهنات ونظام، ومليارات وإعلان. لكنها اللغة الوحيدة التي تجمع الأفرقاء، وتُسكِت التنابزات، وتقهر المشاحنات. لون البشرة لا يقف عائقًا، وخانة الديانة لا تمثل مشكلة، والانتماء القبلي لا يفسد للُّعبة الحلوة قضيَّة.

قد تسمع تعليقات عنصرية، وقد تستوقفك تحليلات طبقية، وربما تذهلك تنظيرات سطحية، لكن ما أن تبدأ المباراة حتى يجري وأد محركات الكراهية ومنابع العداوة. تِسعون دقيقة من التعددية الجميلة والمشاهدة اللطيفة، وربما تزيد بوقت بدل ضائع هنا أو مستقطع هناك. تتوقف قرون استشعار القبلية والطائفية والتكفيرية والتفضيلية، وتستسلم البلايين للمتعة الخالصة.

بالطبع، المتعة تشوبها عصبية هنا، أو شجبٌ للاعبٍ أهدر فرصة هناك، أو مطالبة بإقالة مدرب ومعاقبة حكم هنا وهناك، لكنها تظل عصبية حميدة. فلا لاعبو الدوري الإسباني في متناول قنص المشجع الياباني، ولا أبطال الدوري الإنكليزي في حيز يسمح بالسحق على أيدي المشجع التايلاندي، ولا عمالقة الدوري المصري في بقعة جغرافية تتيح للمشجع الدنماركي تخريب أنديتهم، أو مقاضاة مدربيهم.

تدريب حواس الإنسان على التجرد من التحيز والتعصب والكراهية وضيق الأفق والفوقية، إلى آخر موبقات الحياة العصرية، يمر عبر بوابة “السْتَاد”. وإجبار النفس على الفصل بين الدين والدولة، والعصبية والإنسانية، والتنابز والتفاعل، والفوقية والمعايير الأخلاقية، يجري طواعية ودون جهد جهيد، ما أنْ تنطلق صَفَّارة الحَكَم معلنة بداية الشوط الأول.

ومن شوط إلى آخر ترتقي الحواس، وتتنزه عن الشهوات. شهوة اعتبار الأنا الأفضل والأرقى والأجدر بالبقاء والأحق بقتل الآخر، تتوقف مؤقَّتًا بينما الساحرة تتدحرج. قبل أشهر وفي مدينة إيطالية صغيرة، انعقد مؤتمر طبي جمع أطباء الجهاز الهضمي في تخصُّصَي الباطنة والجراحة. وحيث إن كلًّا منهما يعتبر نفسه تاريخيًّا الأهم في حياة المريض، فقد حفل المؤتمر بتنابزات علمية وسجالات أكاديمية ومعايرات بنتائج العلاجات. شهد اليوم الأول مباراة بين الفريقين كنوع من الترفيه، انتهت بإحراز فريق الجراحين نصرًا مبينًا. وفي اليوم الثاني قررت إدارة المؤتمر خلط الفريقين، حيث احتوى كل منهما على جراحين وباطنة، وجاء التعادل مذهلًا: أربعة لكل منهما بعد مباراة متخمة باللعبة الحلوة والتشجيع المشترك، والأهداف التي شارك في صنعها المتخصِّصون المتناحرون.

إنها الساحرة المستديرة، قاهرة الكراهية، ورافعة راية التعددية على مدار 90 دقيقة، بالإضافة إلى الوقت الضائع.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.