الرئيسية > رأي عام > مقالات > تِرْمُومِتر التعددية
أمينة خيري (مصر)

تِرْمُومِتر التعددية

الثلاثاء ٢٠١٧/٨/٠٨م   |   ١٤٣٨/١١/١٦ هـ

ترمومتر التعددية واضح وصريح، وقياس توجهات الفكر وتحولاته وانقلاباته أمر يخفى على كثيرين مع سهولته. قُل ما تشاء في برامج التلفزيون عن الوطن الذي يتسع للجميع، واكتب في المناهج ما تود عن الثقافة التي لا تفرق بين أبناء البلد الواحد، واسرد ما تود من حكايات عن جارك (أخيك الذي لم تلده أمك) المسيحي مع أنك مسلم، أو صديقِ الدراسة توأمك المسلم الذي لم يفارقك يومًا مع أنك مسيحي. لكنْ، في وقت الجِدّ اسألْ إن كان سيدخل الجنة رغم اختلافه، أو هل يحق لك التبرع لمنشآته حيث إنه “كافر”!

“هل مجدي يعقوب سيدخل الجنة”؟ “هل صحيح أن يعقوب لن ينفعه علمه في الآخرة”؟ “هل هو كافر”؟ هل هذه الأسئلة وغيرها مما ورد عن الركّاب الذين يلجأون إلى “كشك الفتوى” –أحدث إبداعات مَجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف في مترو أنفاق القاهرة- تقيس توجهات الفكر؟! وهل ترمومتر التعددية يشير إلى ارتفاع في درجات حرارة الإيمان، أم يوضح أن خللًا ما أصاب خلايا التعددية وضرب منابت التعقل والتدبر؟!

د. مجدي يعقوب من أشهر وأمهر جراحي القلب في العالم، لا سيما في مجال جراحة قلب الأطفال. هو مصري بريطاني، وقد مُنِح لقب “سير”. عاد إلى مصر بعد عقود من الإقامة والعمل في بريطانيا، وأسس مستشفى ومركزًا بحثيًّا لأمراض وجراحات القلب، في مدينة أسوان المصرية في صعيد مصر بتبرعات المصريين.

تَدبُّر مصير “ملك القلوب” الدكتور مجدي يعقوب أشهر جراحي قلب الأطفال، وراسم البسمة على قلوب الكبار، ممن نجا أبناؤهم وبناتهم من عيوب ضربت قلوبهم، أمرٌ يشغل كثيرين. مشرف لجنة الفتاوى في “كشك الفتوى” في محطة مترو الأنفاق القاهرية الشيخ سيد توفيق، قال إن أسئلة عدة وجهها الركاب حول مصير الدكتور يعقوب. هم سمعوا من مشايخ عدة بأن يعقوب -مع علمه الوفير وعمله الغزير وإنقاذه قلوب الملايين- سيُشوى في نار جهنم لأنه ليس مسلمًا، وغيرُهم قبْلهم سمعوا بأن “فيروز” كافرة، و”أم كلثوم” مآلها جهنم، وتولية سياسي مسيحي حقيبة وزارية حرام، والمسيحي لن تطَأ قدماه الجنة مهما بلغت أخلاقه من حسن، وكذلك اليهودي، إلا إنْ ماتَا طفلين دون سن التكليف.

ولأنه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا ينبغي أن يكلِّف مرءٌ فكره ووقته وجهده إلا وسعه، فإن فيروسات لعينة ضربت كثيرين، فجعلتهم يغرقون في البحث في مصائر أبناء الوطن بعد عمر طويل. هذه المصائر التي لا يعلمها إلا رب العباد حين تُشغَل العباد، تعني أن كل ما يقال ويثار ويدار عن التعددية والقبول والتلاحم إلى آخر القائمة، ما هو إلا “طق حنك”.

والاعتراض على “طق الحنك”، لا يعني اللجوء إلى “سد الحنك” (حلوى مصرية دسمة لدرجة تجعل آكلها عازفًا عن الكلام). فالامتناع عن التعبير عما يدور في النفس من أسئلة، لا يعني أنها لم تعد موجودة. بل المطلوب هو التعبير ولو لمصلحة التفسير والتحليل، علَّهما يسفران عن تقييم ومتابعة.

متابعة حال التعددية ومدى قبولها ومقدار فهمها ومعيار اعتناقها في المجتمع، ضرورة لمن أراد الإصلاح، ومتابعة ما يرد إلى مراكز الفتوى، والسؤال والمساعدة في المساجد والكنائس وغيرها من بيوت الله، تكشف الكثير عما يشغل البشر. وهذا الكشف لا يهدف إلى تقليل أو تخويف أو تهويل، لكنه يساعد على فهم موقف السائلين من التعددية، وإن كانت مجرد كلمةٍ تتردد في الأثير، أو مفهومٍ يتمكن من القلوب والعقول.

عقول السائلين عن مآل الدكتور مجدي يعقوب، أو إن كانت “فيروز” كافرة أو “أم كلثوم” آثمة، لأنهما تطربان الملايين، أو إنْ كان المسيحي حسن السير والسلوك سيدخل الجنة، تكشف الكثير عن الثقافة التي تعرَّض لها الملايين خلال سنوات وعقود مضت. وعقول المستفسرين عن إمكانية الادعاء بالتعرض للاضطهاد الديني في سبيل الحصول على حق اللجوء إلى دولة غربية، أو التعامل مع المسلمين الذين يسمُّون المسيحيين “نصارى” و”كفارًا” على سبيل التقليل والإهانة، تفيد في التعرف إلى ما يجول في خواطر مواطنين، يُفترض أن لهم حقَّ مواطنة كاملًا غير منتقص أو مجتزأ.

الجزء الخاص بالأسئلة ذات الطابع الديني حيث “هل يجوز كذا؟” أو “ما حكم كذا؟”، أمر واقع ومنطقي في جميع الأحوال. لكن من غير المنطقي أن يكون الهمُّ الشاغل لمواطن يعاني الأمرَّين في أحوال اقتصادية تتسم بالشظف وظروف معيشية قوامها الضيق، هو مآلُ جاره، أو مصير صديقه، أو كيفية محاسبة الطبيب الأشهر والأمهر، لأنهم أتباع ديانة غير ديانته.

وبعيدًا عن الأسباب النفسية، والعوامل الاجتماعية، والخلفيات السياسية، والمبررات الاقتصادية، فإن ما تؤكده هذه الأسئلة أن ترمومتر التعددية يشير إلى حُمَّى تستوجب العلاج.

 *هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.