الرئيسية > رأي عام > مقالات > ثقافة التغيير بين السيف والكتاب
أحمد ناجي (اليمن)

ثقافة التغيير بين السيف والكتاب

الأربعاء ٢٠١٧/٦/٢١م   |   ١٤٣٨/٩/٢٧ هـ

ما زالت الكثير من المجتمعات العربية تردد بحماس كبير البيت الشعري الشهير: “السيف أصدقُ إنباءً من الكُتب «« في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللعب”، والذي أنشده أبو تمام ذات يوم للخليفة العباسي المعتصم، متفاخرا بغلبة السيف على الكتاب.

لاحقًا تحوَّل هذا النص إلى رمزية في تصور بعض المجتمعات العربية للأسلوب الأنجح في عملية التغيير، وبات هذا النص يُردَّد قولاً وممارسة في الحياة العامة، وكأنّ هذه المجتمعات وجدت في ثقافة السيف مسكنًا وطريقًا، وهذا ما ساهم في إحداث قطيعة تاريخية بينها وبين الكتاب، ومنحها قدرًا من الدعة والراحة الفكرية، جعلها تعزف عن البحث في أساليب وسنن التغيير المختلفة التي تقع بعيدا عن السيوف والرماح، وجعلها تتوجس خيفة من أي تغيير يمر من بين الأسطر والصفحات، حتى وإن كان الكتاب الذي عناه أبو تمام هو كتاب السحر، إلا أن هذه القطيعة حالت دون إدراك هذه المجتمعات لصيرورة الكتاب والكتابة التي لفظت سحر المشعوذين، وجعلت من الكتاب أداة تَفُوق بقدرتها على صناعة التحولات كل أدوات التغيير الحادة.

لا نستطيع أن نتجاهل العوامل التاريخية والثقافية التي ساهمت في تشكل الذهنية العربية، ونظرتها إلى العديد من القضايا الملتصقة بالفكر الجمعي، وإحداها قضية التغيير. فعندما يرِد التغيير في أبسط حالاته، يستجلب الكثيرون الماضي وأدواته كمعيار في الكيفية المثلى للتغيير. واستدعاء الماضي هنا ليس من أجل التقييم والدراسة والإفادة، وإنما من أجل التقليد الحرفي لأساليبه ومحاولة إنتاج بطولاته في زمننا الحاضر. هذا الأمر يجري دون النظر في حركة المجتمعات وتطورها، ودون القراءة الحصيفة لتجارب الشعوب في التحولات، يرافق ذلك إغفال لدور العقل والفكر في إبداع أدوات تلائم اليوم والغد.

لقد ظهرت العديد من الحركات التغييرية التي تحاول أن تصل إلى أهدافها بسرعة الرصاصة، في محاولة للالتواء على مراحل التغيير، وهذا ما جعلها تتعثر في الوصول إلى مبتغاها؛ لأن من طبيعة التغيير بالقوة أن يسرع بالنتائج وجني الثمار -حسب التصور-، لكنه يُخفق في الغالب ويخلق تشوهات كبيرة وعميقة داخل المجتمعات، ويقود إلى سلسلة من المواجهات الدموية التي تنهك الإنسان والأرض، كما أن استخدام القوة في حركة التغيير لا يساعد على ديمومة النتائج واستقراراها.

لن نذهب بعيدًا، فما حصل في بعض الدول العربية مؤخرًا من حراك سلمي، للوصول إلى تطلعات مشروعة كالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، أحدث فارقًا في ثقافة الناس. لكن لم يكن لهذا النوع من أساليب التغيير بيئة ترعاه وتحافظ عليه، كي تعتمده الأجيال أسلوبًا ناجحًا في التغيير، وهذا ما جعل هذه الموجة التغييرية تنحرف إلى ما يسمى بعسكرة الحراكات المجتمعية التي نشهدها في هذه الأيام. إنّ هذه الانتكاسة التي حصلت بعد تلك الموجة تعتبر حالة طبيعية، تَظهر في كثير من الحركات التغييرية نتيجة لعدة عوامل، لعل أبرزها غياب الحاضنة الاجتماعية لنمط التغيير السلمي، التي يناط بها رعاية مِثل تحولٍ كهذا، وهذا يقودنا إلى فهم نجاح الثورة في تونس، وتعثرها في دول أخرى.

لقد فتحت الانتفاضات العربية وما آلت إليه مؤخرا باب التساؤلات على مصراعيه: هل كان الحاكم المستبد محقًّا؟ وهل كانت الشعوب المغلوبة على أمرها مخطئة في قول “لا“؟ وهل كان شعار “ليس بالإمكان أفضل مما كان” يلخص حكاية مجتمعاتنا العربية؟ هل كل هذا التخلف الذي نعيشه في شتى المجالات لا يحتاج إلى تغيير؟ وإن كان يحتاج، فما الأسلوب الأمثل للتغيير؟ هذه التساؤلات ظلت عالقة وستظل في أذهان مجتمعاتنا، وهي تساؤلات صحية من حيث طبيعتها، تستوجب القيام بعملية فحص شامل لأدوات التغيير الموجودة، ومقاربتها بديمومة التغيير الإيجابي، كما تسعى لابتكار أساليب تغيير جديدة تنمي عقل المجتمع وإنسانه أولاً.

السيف والكتاب، أو القوة والفكر، طريقان للعبور نحو الضفة الأخرى. عادة ما تغرقنا الطريقة الأولى في بحر المسافة، وتذيقنا ظلمات شتى نخسر فيها الكثير من العابرين، في حين يظهر الفكر كقارب نجاة، قد يأخذنا ببطء ويطلب منا التجديف المستمر، لكنه حتمًا يوصلنا في نهاية المطاف إلى مبتغانا بسلام.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.