الرئيسية > رأي عام > مقالات > ثلاث صلَوات إبراهيميَّة
عامر الحافي (الأردن)

ثلاث صلَوات إبراهيميَّة

الثلاثاء ٢٠١٨/٦/٠٥م   |   ١٤٣٩/٩/٢٢ هـ

الصَّلاة بمعناها البسيط هي الدعاء الموجّه إلى كائنات علوية، تَملك زمام القوة والعطاء، طلَبًا لِعون أو حماية أو مغفرة للذنوب. والصلاة بهذا المعنى هي عبادة فِطريَّة، قد لا تحتاج إلى تشريعات أو رسالات سماوية تُفرَض من الأعلى.

الصلاة هي أكثر العبادات شيوعًا وتشاكُلًا بين أتباع الأديان، فهي تجسّد بمضامينها العميقة وبساطتها الطفولية، دوافعَ التديُّن وغاياته الكبرى، بعيدًا عن إشكالات العقائد واختلافات الشرائع. ففي الصلاة تمتزج مشاعر الرهبة والعجز والرجاء، بمعاني الدهشة والحيرة والبحث عن شيء من المعنَى، وراء المظاهر الكونيَّة المتنوعة والمتضاربة.

تَفتح الاشتقاقات اللغوية أمام الفكر الإنساني آفاقًا رحبة، تمكِّنه من صياغة أفهام وتفاسير متنوعة للنصوص الدينية، وأيضًا -في الوقت ذاته- تَحفِز الفكر على استنباط المعاني الرمزية التأويلية، التي تعبِّر عن هموم الإنسان وانشغالاته. فالصلاة في اللغة العربية يمكن أن تُشتقَّ من صَلَيتُ العُود إذا ليَّنتُه وقوَّمتُه، لأن الصلاة تؤدِّي إلى الاستقامة، ويمكن أن تُشتقّ من الصلاة لأنها صلة بين العبد وربه، ويمكن أن تُشتقّ من (الصَّلا) وهو وسط الظَّهر من الإنسان، والذي ينحني عند الركوع والسجود.

لم تبدأ الصلاة في الإسلام في السنة العاشرة للبعثة، أو قبلها أو بعدها بقليل، ولكنها جاءت من حيث كونها دعاءً وتسبيحًا واستغفارًا مع بداية البعثة النبوية، بل إن علاقة محمد بن عبد الله بالصلاة، قد بدأت عندما كان يتحنَّث طلبًا للهداية والرشاد، قبل أن يأتيه جبريل في غار حِرَاء.

اِستعمل القرآن الصلاة بمعاني: الدعاء، والتسبيح، والذكر، والاستغفار، والتعظيم، والرحمة. وإنْ وقَفْنا عند الصلاة بمعنى التسبيح وكيف تحدَّث بها القرآن، نجده يعبِّر عنها كحالة تكوينية مغروسة في صميم المخلوقات كلها: {أَلَم ترَ أنَّ اللهَ يُسبِّح له من في السَّماواتِ والأَرضِ والطَّيرُ صافَّاتٍ كلٌّ قَد عَلِمَ صلاتهُ وتَسبيحَهُ واللهُ عليمٌ بما يفعلون} [النور: 41]. وهنا نجد القرآن، قد جعل صلاة الإنسانِ أكملَ صلاةِ الكائنات. فالإنسان يمثِّل ذلك (المختصَر الشريف)، الذي تجتمع فيه حقائق الوجود، وفيه أودع الله شيئًا من معاني أسمائه الإلهية.

يحدِّثنا القران بأن الله يصلِّي على الإنسان: {هو الَّذي يصلِّي عليكُم وملائكتهُ ليُخرجكُم من الظُّلماتِ إلى النور وكان بالمُؤمنينَ رحيمًا} [الأحزاب: 43]، ثم يخصُّ الله بصلاته نبيَّه محمَّدًا: {إنَّ الله وملائكتهُ يُصلُّونَ على النبي} [الأحزاب: 56]. وهذه الصلاة من الله على الإنسان، هي أجمل تعبير عن محبة الله ورحمته بالإنسان، وإرادته له الهداية والرشاد. والصلاة إلى جانب كونها حوارًا ومناجاةً بين الإنسان وخالقه، فهي استحضار في القلب، ولحظة تأمُّل في الذات، وفي ما تنطوي عليه من معاني المطلق، حسبما نفهم هنا من قول ابن الفارض:

وما كان لي صلَّى سوايَ ولم تكُن                    صلاتي لغيري في أدا كُلِّ ركعَةِ

فكأن المصلِّي قد أصبح متَّصلًا ومُتماهيًا مع معبوده. وهنا نستحضر صلة الصلاة بالعرفان، كما في قولهِ تعالى: {واسجُد واقتَرِب} [العَلَق: 19]. ومن معاني هذه الآية، أنه كلما زاد الإنسان سجودًا، فإنه يزداد قربًا من معبوده، وهناك يسجد لخالقه سجدة كلية، لا تُبقِي له منه شيئًا.

ومن أجمل الصلوات التي تعبِّر عن قرب الإنسان وصِدق توجُّهه إلى الله، صلوات داود وأدعيته في مزاميره الرائعة: “استَمِع يا ربُّ وارحمنِي. يا ربُّ، كُن مُعِينًا لي… وجهكَ يا ربُّ أطلُبُ. لَا تَحجُب وجهكَ عنِّي… يا ربُّ، اسمَع صلاَتي، وأصغِ إلى تضَرُّعاتي… دعوتُك يا ربُّ كُلَّ يَومٍ. بسطتُ إِليكَ يديَّ… علِّمني يا ربُّ طريقكَ، واهدنِي فِي سبيلٍ مُستقيمٍ”. وهنا نستطيع أن نرى ذلك الصراط المستقيم، الذي يبتغيه المسلم، ويطلبه في كل ركعة يركعها لله رب العالمين.

إن دعاء المسيح لله: “إلهي، إلهي، لِماذا تَرَكتنِي؟” (متى 27: 46)، ودعاء المصطفى لربه: “إلى مَن تكلُنِي، إلى عدوٍّ يتجهَّمُني، أو إلى قريبٍ ملَّكتهُ أمري؟” (الطبري)، ودعاء داود لربه: “إلى متى يا ربُّ تنساني كلَّ النِّسيان؟ إلَى متى تحجبُ وجهكَ عَنِّي؟” (المزامير 13: 1)، جميع هذه الأدعية، هي نماذج من صلوات إبراهيمية ثلاث، صدَرَت من مِشْكاة واحدة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.