وجدان بو عبدالله (تونس)

خُطبة الحُبّ

الأربعاء ٢٠١٨/٤/٠٤م   |   ١٤٣٩/٧/١٩ هـ

‏”الحُبّ يشفي، حسب دراسة علمية أميركية. الحب يعطي الجسد قدرة على الصمود والنشاط، بل القدرة على الموت في سبيل مَن نُحب”. كانت هذه العبارات تنساب بسلاسة وهدوء، بصوت مملوء بالثقة والسكينة. وجدتُ نفسي أهرع إلى المذياع لأرفع صوته، ثم سحبتُ كرسيًّا وجلستُ أُنصِت باهتمام بالغ.

الكلام عن قدرة الحب على الشفاء والصمود ومدِّ جسم الإنسان بالطاقة، لم يكن لأستاذٍ مُحاضر في جامعة، ولا لمُختص في “التنمية البشرية”، بل لرجُل دين كان يُلقي خُطبة الجمعة في أحد مساجد تونس، مُراوحًا في استشهاداته بين الدراسات العلمية والآيات القرآنية.

لِنِصْف ساعة قام ذلك الخطيب، وبأيسر الكلام، باستدراج قِيَم المحبة بين المُحبِّين، وداخل الأسرة، وفي المجتمع؛ ليشرح للمصلِّين وللمستمعين، انعكاس الحُب على صناعة السِّلْم في العالم أجمع. غَزَل ذلك الخطيب بكلماته البسيطة، دون تكلُّف ولا ادِّعاء ولا وعيد، نسيجَ محبة، ليُعلي قيم الخير في الإسلام، ويدعونا إلى استثمارها في فهم الإسلام، وتقديمه دينَ حُب لا دينَ قسوة وشدة وفظاظة. لم أكن داخل ذلك المسجد يومها، ولم أكن أتهيَّأ للصلاة، لكن تلك الخُطبة نزّلَت على نفسي سكينة وسلامًا، مثل ماء جارف يغمرني من الداخل.

نجح ذلك الخطيب في تجديد الخطاب الديني بأبسط الأساليب؛ ليقدّم لنا جوهر الإسلام بحقيقته الناصعة كدِين رحمة ومحبة، باسطًا أمامنا آيات وأحاديث عن عدم تعارُض الدين مع الحب، بعكس ما تروِّج له الأفكار المتطرفة، وبعكس ما نسمعه من دعاة لهم منابر كبرى في قنوات يتابعها الملايين.

“خُطبة الحُب”، تلك التي أنهاها الخطيب بالدعاء بالمحبة والمودة بين جميع الخلق، لم يخصّ فيها المسلمين فقط بدعائه كما جرت العادة في العديد من المنابر. هذه الخُطبة وددتُ لو سمعها المؤمن وغير المؤمن، لا بهدف الدخول في دين الإسلام، بل بهدف تعديل صورة الإسلام التي يقدِّمها بعض رجال الدين بشكل منفِّر، طارد، قاسٍ، بشكل يقدِّم الرهبة من الله على حُب الله، وعلى حب الله لخلقه.

الخطاب الديني الذي يتجرد من الفوقيّة، والتمييز بين دين وآخر، وبين مؤمن وغير مؤمن؛ ليحتوي الجميع بقدر من الرحمة والغفران والمحبة، ليهذّب الروح، ليُعلِّم الزوج أن حسن معاملة زوجته هو من جوهر الدين، وأن محبتها وإظهار ذلك لا يتعارضان مع الدين، بل العكس صحيح – لَهُوَ خطابٌ كفيل باجتثاث مصادر العنف الديني، وتربية أجيال على السلام النفسي والسِّلْم الاجتماعي.

تلك الخُطبة ذكَّرَتني كم من مرة وقعتُ في حب الله، وأنا أسمع رجال دين يتحدثون بمحبةٍ بالدين، بدينٍ ما (أيًّا كان)، قادرٍ على التسامح مع من يَدِين بغير دينه، ومع من لا يَدِين بشيء.

لقد وقعتُ في حب الله مرارًا، وأنا ألتقي براهب يشير بإصبعه إلى صدره، ليقول إنه يَكُنُّ المحبة لِمَن دخل كنيسته ومن لم يدخل، لِمَن آمن ومن لم يؤمن. كلٌّ له منزلة في صدره؛ لأن صدر المؤمن واسع كريم، لا يؤذي غيره، ولا يتمنى الأذى له.

لقد وقعتُ في حب الله، وأنا أسمع رجلَ دين مُسلمًا من مذهب ما، يردُّ على رسالة كراهية وتكفير من رجل دين من مذهب آخر: “لكنك أخي وأنا أحبُّك، سامَحك الله”.

نعم، لقد وقعتُ في حب الله مرارًا، وأنا ألتقي رجال دين مثقفين، مواكِبين للتطور الاجتماعي والنفسي، مطَّلعين على الثقافات والعلوم والآداب العالمية، وعلى منجزات العلوم الاجتماعية والنفسية وآثارها في النفس البشرية، رجال دين مُتَّزِنين، مجتهدين لإثراء زادِ الخَلق المعرفي، وتهذيب أرواحهم.

في المقابل، كنت أتساءل: لماذا تَستدرج بعضُ العمائم مصادرَ الخوف والرّعب، وتـقدّم آيات الجحيم والنار على آيات الرحمة والغفران؟ لماذا تَصدح بعض المنابر يوم الجمعة بالكلام عن العذاب، وتُسْقط وعد الله بالرحمة والمغفرة، وهو الذي سمّى نفسه “الغفّار الرحيم”؟ قال تعالى: {ومَا أرسَلناكَ إلَّا رَحمةً للعالمينَ} [الأنبياء: 107]. تلك الآية العظيمة عن الرحمة التي تشمل جميع الخلق، وليس فئة معينة منهم، لماذا يتجاهلها بعض الأئمة؟ لماذا يُصرُّون على إنهاء خُطَب الجمعة بالدعاء على غير المسلمين بالهلاك والتشتيت؟

أتساءل عن ذلك، وأنا أستحضر قول مُواطن تونسي هجر الإسلام منذ سنوات، ويشرح بصراحة سبب خروجه من الدين الإسلامي؛ لأن “آيات الجحيم كانت أكثر حضورًا في التربية الإسلامية، ولأن الدعاء على غير المسلمين كان حاضرًا في كل خطبة جمعة”.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.