الرئيسية > رأي عام > مقالات > سلطة القيم وقيم السلطة
فادي ضو (لبنان)

سلطة القيم وقيم السلطة

الخميس ٢٠١٧/٨/٢٤م   |   ١٤٣٨/١٢/١ هـ

لكل سلطة منظومتها القيميّة، التي تسعى إلى أن تعمّمها في القاعدة المرتبطة بها. لكني أعتقد أنّ عامة الناس أصبحوا أكثر اهتمامًا ويقينًا بمكانة القيم في المجتمع، وأكثر حماسة لتحديد القيم التي يريدون. فبدل التمسّك بالموروث بشكل محافظ وجامد، يسعى العديد من الناس إلى أقلمة قيمهم مع الواقع المتغيّر وأطروحاته الثقافية. وكما لكل سلطة قيمها، فللقيم أيضًا سلطة تؤثّر في حياة الناس وسلوكهم وخياراتهم. وإدراك عامة الناس لسلطة القيم على حياتهم، يجعلهم أكثر مساءلة لقيم السلطة التي تُفرض عليهم بشكل أو بآخر.

إنّ ما جرى أخيرًا في تونس من جدل حول دعوة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث من ناحية، وإباحة زواج المسلمة من غير المسلم من ناحية أخرى، هو تجسيد مباشر لهذه المسألة. ففي مناسبة العيد الوطني للمرأة في ١٣-٨-٢٠١٧، طرح الرئيس التونسي هاتين المسألتين بهدف تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة. علّل الرئيس السبسي موقفه هذا مستندًا إلى الدستور الذي تحدّث عن "التناصف"، ومؤكّدًا أن هذا التوجّه لا يتعارض مع الدين الإسلامي. وكان البرلمان التونسي قد أقرّ في ٢٧-٧-٢٠١٧ قانون مكافحة العنف ضد المرأة. ومن المعلوم أنّ الدولة التونسية لديها منذ سنة ١٩٥٦ مجلة للأحوال الشخصية، تتضمّن قوانين متقدّمة، من مثل منع تعدّد الزوجات.

وفي موقف لافت، أصدر في اليوم التالي ديوان الإفتاء للبلاد التونسية بلاغًا، تحدث فيه عن تبنّيه لما جاء في خطاب رئيس الجمهورية بخصوص المساواة في الميراث، وأحقيّة التونسية المسلمة بالزواج بغير المسلم. استند مفتي الجمهورية في موقفه إلى ثلاثة أسباب: أوّلها ديني، باعتباره أن في ذلك تحقيقًا لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات التي نادى بها الإسلام الحنيف، كما جاء في الآية الكريمة: {ولَهُنَّ مِثْلُ الذي عليهِنَّ بالمعروف} [سورة البقرة: ٢٢٨]؛ أما السبب الثاني فهو قانوني، تفعيلًا للمواثيق الدوليّة التي صادقت عليها الدولة التونسية، والتي تعمل على إزالة الفوارق في الحقوق بين الجنسين؛ والسبب الثالث اجتماعي، يعبّر عن التقدّم والحداثة ومواكبة العصر في تونس، حيث المرأة التونسية، بنظر مفتي الجمهورية، هي نموذج المرأة العصرية التي تعتزّ بمكانتها وبما حقّقته من إنجازات لفائدتها ولأسرتها ولمجتمعها، من أجل حياة سعيدة ومستقرة ومزدهرة.

لم يتأخّر الأزهر عن التعبير عن موقفه المناهض لهذه التدابير بلسان وكيله الشيخ عباس شومان، في بيان صادر في ١٥-٨-٢٠١٧. اعتبر شومان دعوة الرئيس التونسي إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث، وإباحة زواج المسلمة من غير المسلم، مخالفةً لأحكام الشريعة الإسلامية، ولآيات لا تحتمل الاجتهاد ولا تتغير بتغير الأحوال والزمان والمكان. كما واجه عددٌ من علماء تونس وأساتذة جامعة الزيتونة، طرح رئيس الجمهورية، معتبرينه مسألة مغلوطة يجب التراجع عنها. جاء ذلك خلال ندوة صحفية نظمتها جمعية "الأئمة من أجل الاعتدال ونبذ التطرّف"، وجمعية "هيئة مشائخ تونس"، بتاريخ ١٧-٨-٢٠١٧ في العاصمة التونسية. أما المجتمع المدني التونسي، فقد رحّب بهذه التدابير، إذ تأتي تجاوبًا مع نضاله من أجل الوصول إلى تكريس هذه الحقوق. وكانت أبرز الجمعيّات المهتمّة بشأن المرأة وحقوق الإنسان، قد تقدّمت في ١٣-٨-٢٠١٥ برسالة إلى رئيس البلاد متضمّنة لائحة من المطالب، تحقيقًا للمساواة الحقيقية والعدالة الاجتماعية.

تزامن هذا النقاش في تونس مع إعلان إنشاء "مجلس كبار العلماء المسلمين" في المملكة المتحدة البريطانية. يهدف هذا المجلس، بحسب ما صرّح أحد أعضائه في ١٨-٨-٢٠١٧ لصحيفة الغارديان، الإمام قاري قسيم، إلى إدماج الإسلام في سياق القرن الواحد والعشرين في بريطانيا. يعني ذلك برأيه، تفسير الإسلام بانسجام مع القيم البريطانية. ويضيف قسيم: "نريد أن نحمي شبابنا من الخطاب المتطرّف... وأن يشعروا بارتياح تجاه تراثهم الوطني وهم يحملون قيم الديمقراطية، وحكم القانون، والعدالة، والتعاطف".

إنّ للقيم سلطة يمكن بالفعل أن تنحو بالناس نحو الظلم والتطرّف، أو بالعكس، أن تقودهم نحو تحقيق العدالة، والسلام، وكرامة الإنسان. مع ذلك، يبدو أحيانًا وكأنَّ الناس لا يُولُون هذه المسألة الأهميّة الكافية، لتمحيص القيم التي تسيّر حياتهم، وتحدّد خياراتهم. من الطبيعي أن تسعى كل سلطة، دينية كانت أم سياسية، إلى تعميم منظومتها القيمية في المجتمع. ومن الطبيعي أيضًا أن يَنتج من ذلك صراع بين السلطات، على صلاحية تحديد هذه القيم أو تعديلها. لكن من غير الطبيعي ألا يكون للناس رأي في ذلك، إن كان على المستوى الفردي، أو الاجتماعي. فلأنّ للقيم سلطة على الحياة، فعلى الأفراد أولًا أن يكونوا أكثر وعيًا وحرية في اختيار قيمهم؛ وللمجتمع المدني ثانيًا أن يسهم في تشكيل المنظومة القيمية، خاصة في أبعادها القانونية والتربوية والإعلامية، لكي تأتي منسجمة مع تطلّعات الشعوب ورؤيتها للحياة. فهنيئًا للمجتمعات التي تعيش وفق سلطة القيم، ولا تتحكّم في حياة أبنائها قيم السلطة.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *