الرئيسية > رأي عام > مقالات > سيفُ المدنيّة وسيفُ الأخلاق
وجدان بو عبدالله (تونس)

سيفُ المدنيّة وسيفُ الأخلاق

الأربعاء ٢٠١٨/٦/٠٦م   |   ١٤٣٩/٩/٢٣ هـ

“مِشْ بالسيف” عبارة تونسية تعني (ليس بالإكراه)، و”السيف” في اللهجة التونسية إذا ما اقترن بحرف الباء، صار يعني (الإكراه). “مش بالسيف” كان شعار حملة أطلقها بعض التونسيين في رمضان، للمطالبة بفتح المقاهي أمام المفطرين، وإلغاء مرسوم يعود إلى ثمانينيَّات القرن الماضي، يَفرض على المقاهي والمطاعم التي تفتح في رمضان، تغطية واجهات محلاتها بأوراق الصحف، حتى لا تخدش مشاعر الصائمين.

اِحتدَّ النقاش حول حملة “مش بالسيف”، التي رفضها معتدلون يساندون مدنية الدولة، معتدلون كانوا ضد التنصيص على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع في الدستور، لكنهم اليوم لا يساندون حملة “مش بالسيف”. هذا الرفض جعل المشاركين في الحملة يرمونهم بـ “النفاق”، و”ازدواجية الخطاب”، و”أسلمة الحَداثِيِّين”، وجميعها أوصاف ونعوت يطول تفكيك رموزها. لكن الواضح، أن فجوة جديدة حدثت في داخل الكتلة الواحدة المسماة “العلمانية”.

العلمانية تعني فصل الدِّين عن الدولة، لكنها لا تُنكر الدين، بل تُؤَمِّن لكل مؤمن فرصًا متساوية لممارسة الشعائر الدينية، وأيضًا تؤمّن لغير المؤمن اعترافًا بحقه في ألَّا يعتقد شيئًا. المفارقة أن العلمانية يُساء فهمها من المؤمن جدًّا، ومِن غير المؤمن على الإطلاق، وهذا بالضبط ما حدث في تونس، وسط أجواء مشحونة بالتوتر وتَقاذُف التهم. بعض المؤمنين يريدون من الجميع أن يصوموا، وبعض غير المؤمنين يريدون في المقابل أن يُدخِّنوا ويأكلوا في الساحات العامة، لأن تونس “دولة مدنية”.

تونس دولة مدنية، لكن لو فككنا مدنيتها لوجدناها تحتوي على تناقضات. فهي دولة لها وزارة للشؤون الدينية، ولها دستور يُقرُّ بمدنية الدولة، لكنه في الوقت نفسه ينص على أن دين الدولة هو الإسلام. وفي الدستور ذاته، فصول عن “حرية المعتقد والضمير”؛ ما يُتيح للمواطن أن يؤمن بما يشاء، وألَّا يؤمن أيضًا.

قبل سنة، حُكم بالسجن على أربعة تونسيين، لأنهم أكلوا ودخَّنوا في رمضان، في حديقة عامة. الإفطار يُعتبر في القانون “اعتداء على الآداب العامة”. نعم، الأمر ملتبس. “حرية المعتقد والضمير” يقابلها اعتداء على الآداب العامة، ودولة مدنية يقابلها فصلٌ ينصُّ على أن دين الدولة هو الإسلام، بل دولة مدنية تمنع غير المسلم من الترشح للرئاسة. يطول تفكيك عُقَد التناقضات التشريعية والدستورية، والحقيقة أننا أمام مأزق أخلاقي، قبل أن يكون مأزقًا دستوريًّا أو قانونيًّا أو أيديولوجيًّا.

ماذا نعني بالأخلاق؟ الأخلاق لا مستند ديني لها في هذا السياق. إني أتحدث بمفهوم شامل، يعني سلوك الفرد تجاه المجموعة، وسلوك تلك المجموعة في تعاملها مع آخرين.

في حملة “مش بالسيف” رأيت شبابًا يحتجُّون، وقد تعمَّدوا (بكثير من التكلّف) شرب الماء وقضم الخبز والتدخين. ذلك المشهد لم يرسل رسالة عن (حرية المعتقد)، بل أرسل رسالة عن (القدرة على الاستفزاز). مهلًا! استفزاز؟ نعم، استفزاز. أنت لا تستفز الملاحظ والمواطن وأنت تأكل أو تدخن، لا تجرح صيامه، بل تستفز آخرين ربما غير صائمين مثلك. لكن حركتك تلك جعلتهم يشعرون، بأنك قادر على مداعبة الجنوح إلى العنف لدى فئة متشددة.

قبل سنوات، كنت أعمل صحفية في مؤسسة إعلامية عمومية (ملك للدولة) في تونس. كان مطعَمُها الذي يشارك جميعُ موظفي المؤسسة في تمويله، باقتطاع جزء من راتبهم شهريًّا، يفتح في رمضان أمام قلة من زملائنا المفطرين، ليقدم لهم وجبَتَي الفطور والغداء، ثم يقدم وجبة الإفطار للصائمين. طَوَال عملي في تلك المؤسسة، لم أَرَ موظَّفًا واحدًا أفطر أو دخَّن أمام زملائه، مع علمهم بأنه قد يكون مُفطِرًا، بل مع دفعِهم مقدَّمًا -من مالهم- لوجبة غدائه. لقد تعايشَت تيارات أيديولوجية وسياسية مختلفة في تلك المؤسسة، كان حق الإفطار فيها مكفولًا ومدفوع الثمن أيضًا؛ أمَّا حق الاستفزاز، وعدم احترام الآخرين، فَمُنْتَفِيانِ تمامًا.

إنها الأخلاق، الأخلاق التي لا يذكرها الدستور، ولا ينص عليها عَقْد العمل في مؤسسة. الأخلاق حزمة تأتي معك، أو تختفي.

اللافت في الجدل المحتدِّ في تونس حول السماح بالمجاهرة بالإفطار، تناقُضُ غيرِ المكترثين لِرمضان (وتلك حرية شخصية ودينية)، الذين شاركوا في حملة “مش بالسيف”، بِتَصفيقِهم على مأدبة الإفطار التي جمعت مفتي تونس، وإمام جامع الزيتونة، وكبير أحبار تونس، ورئيس أساقفة أبرشية تونس، وراعي الكنيسة الإنجيلية. استهزاءٌ بشعائر، ثم احتفاءٌ بتجمُّعٍ متعدِّدِ الديانات يُحيي تلك الشعائر.

الحقيقة أني أخشى على مدنية الدولة مِن غُلوِّ غير المؤمن، وغُلوِّ المتشدد المؤمن. كلاهما لا يُقدِّر ما يَعنيه الدين، ولا يُقدِّر ما تَعنيه الأخلاق.

الاستفزاز الذي يُشعل فتيل التطرّف، ويغذِّي مشاعر الكراهية، ويشجِّع على الجنوح إلى العنف، تَصرُّف غير مسؤول، ولا يُعير احترامًا لمدنية الدولة، التي يجدر بها أن تحترم جميع الشعائر الدينية، وتوفِّر لكل مواطن فرصة القيام بها دون تمييز.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.