الرئيسية > رأي عام > مقالات > شرطة الأخلاق الحميدة
أمينة خيري (مصر)

شرطة الأخلاق الحميدة

الثلاثاء ٢٠١٧/٧/١٨م   |   ١٤٣٨/١٠/٢٤ هـ

مَدْرستان دينيتان: الأولى مسيحية، والثانية إسلامية. طلاب الصف السابع في المدرستين يهرعون عقب انتهاء ساعات الدرس إلى كشك الجرائد في أول الشارع. العِلم لا يُنهل هناك، أو الأخبار، أو حتى نتائج المباريات المنشورة. إنهم يأكلون الكتب الطبية أكلاً، ويدققون في الرسوم التوضيحية تدقيقًا. يغترفون ما تيسر من جرعات، ثم ينصرف كل في طريق.

طريق الأخلاق والفضيلة والالتزام تؤدي إلى المدرسة؛ أما طريق ال سَّوءات والرذائل والقبح فتصب في الكشك. وعلى الرغم من أن كِلا الفريقين منتسب إلى مدرسة معروف عنها خلط التعليم بالدين، بل وامتحان الطلاب في قواعد الشمائل والمآثر، إلا أن الصغار يجدون في الكشك ملاذًا، وفي كتبه إجابات عن أسئلة لا يجرأون على التفكير فيها خوفًا من “رادار” فكري هنا، أو شرطي أخلاق هناك.

شرطة الأخلاق الحميدة، أو مراقبو الفضيلة الشريفة، في كل مكان في مجتمعاتنا. صحيح أن بيننا دولاً تتبوَّأ المكانات العليا في نِسَب التحرش في العالم، وأخرى تتباهى بأنها أكثر حبسًا للنساء وقمعًا للفتيات من باب مكارم الأخلاق، والحفاظ على الرجال والفتيان من شرور الرذيلة وموبقات الجريرة، وثالثة تَتعقَّب المفطر في نهار رمضان، وترفع المجاهر بالصلاة درجات، وتخسف الأرضَ بالمحتفظ بعلاقته بربه في طي الخصوصية. إلا أن في داخل كل عمارة من عماراتنا، وحارة من حاراتنا، وشارع من شوارعنا، ومحافظة من محافظاتنا، بدلاً من الشرطي مئة، وبدلاً من المراقب ألفًا، مهمتهم مراقبة الأخلاق الحميدة.

حَمِد الكثيرون ربهم وصلوا صلوات الشكر، وسجدوا سجدات الامتنان والاطمئنان، ما إِنْ عرفوا أنَّ جُهْد طبيب الأسنان -الإنسان- في إغلاق ملهى ليليٍّ في منتجع ساحلي مصري؛ لأن فرقة راقصة تقدم عروضًا اعتَبر ملابسَ أعضائها  “غير لائقة”، قد أثمرت ثمارًا أخلاقية، وأتت بنتائج حميدة. فقد رصدت الأجهزة الأمنية تدوينة كتبها الطبيب على صفحته، ولاقت أعدادًا من “الشير” وكميات من الـ”لايك”، فقررت الأجهزة أن يكون لها نصيبها من الـ”شير” في الخير، والـ”لايك” في النفع؛ فكان التحرك الأمني السريع، والإجراء الوقائي الأكيد، والإغلاق الكلي المتين.

متانة الفضيلة، ورزانة التدوينة، وسرعة تحرك الجهات الأمنية، قلبت دنيا النقاش ومنصّات السجال رأسًا على عقب. فمِن مستمسكٍ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياسةً مجتمعية واجبة، ومستنكرٍ لفرض الفضيلة بالإغلاق وبسط الأخلاق بالشرطة، ومتسائل عن سبب توجه الطبيب الملتزم إلى ملهى ليلي من الأصل، ومؤكدٍ أنَّ الدولة ذات الدين -شعبًا وحكومة ونظامًا- عليها أن ترعى وتراقب أخلاق الناس، ومستنكرٍ لتدخُّل كل من هبَّ ودبّ في حياته الشخصية، ومستفسر عن الأسباب التي تحُول دون زرع العمل والضمير ومراعاة الآخرين إلخ، والاستعاضة عنها بمراقبة التصرفات والتدقيق في من ذهب إلى أين؟ وماذا فعل؟ ولماذا؟ – تَمُوج الأجواء في الكثير من الحراك.

الحراك الدائر داخل الكشك، وأمام الملهى، وعلى أثير العنكبوت، وفي جلسات المقاهي والتجمعات، يكشف عن وجود شرطي قابع في داخل كل مواطن، أو فلنَقُل لدى الغالبية. فمِن أقصى يمين المواطنين “الملتزمين” دينيًّا، إلى آخر يسار أقرانهم المنفتحين ثقافيًّا، وما بينهم من درجات وفئات، تكشف الأحاديث عن توجهات تميل إلى فرض نوع من الهيمنة الأخلاقية على الآخرين.

الآخرون في بلاد بعيدة وأمم سحيقة، وصلوا إلى حل عادل. يزرعون في الصغار فعلاً وقولاً مبادئ الأخلاق ويربُّونهم بها، ويطبقون القانون على من يحيد عنها فيما بعد. هذا التطبيق لا يدع مجالاً لـ”لأستاذ حسين” ليبادر بشتم ابنة الجيران؛ لأنها لا ترتدي ملابسها بالطريقة التي يعتبرها هو لائقة. كما لا يسمح لـ”مدام عنايات” باتخاذ إجراءات عقابية ضد “مدام سماح”؛ لأنها ترتدي اللون الأزرق رغم أنها دعتها إلى ضرورة الالتزام بالأسود. وأيضًا لا يعطي فرصة لطبيب الأسنان الشاب، ليتطور تضرره من الملهى الليلي الذي “اختار” أن يرتاده طواعية، من الاشمئزاز إلى المطالبة بالإغلاق، ومنها إلى آذان الشرطة الصاغية وأياديها الطائلة، لتغلقه حفاظًا على الأخلاق.

وبينما طلاب المدرستين يطالعون الكتب “الطبية” الخاصة بالتكوينات البيولوجية للإنسان بحثًا عن معلوماتٍ عَزَّت، و”مدام عنايات” تفرض سطوتها على ألوان ملابس “مدام سماح” حفاظًا على الرجال من شهواتٍ عمَّت، وطبيب الأسنان يرتاد ملهًى ليليًّا فتباغته ملابس الراقصات، والشرطة تغلق المقهى حفاظًا على الأخلاق – تمضي منطقتنا بحثًا عن لون ملابس موحَّد، ومنهج دين واحد، ومكان ترفيه “ملتزم”، والنتيجة نطالعها في صفحات الأخبار يوميًّا.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.