أمينة خيري (مصر)

صَلاتك توتِّرني

الثلاثاء ٢٠١٧/٨/٢٩م   |   ١٤٣٨/١٢/٧ هـ

كُتُب التاريخ متخمة من حروب أهلية أسبابها الظاهرة دينية. ونظرة خارج باب البيت تفيد قتل أو تفجير أبناء هذه الديانة لأتباع تلك. ونشرات الأخبار عامرة بشتى صنوف قتل هؤلاء لأولئك بسبب اختلاف العقيدة، أو منع أولئك من القيام بطقوسهم الروحانية أو صلاتهم الدينية؛ لأن مشهد الصلاة المختلفة يجرح المشاعر ويوتِّرها.

ومشهد الصلاة الذي يجرح أو يؤثر سلبًا في المشاعر لا يستحق تدخلات أمنية أو اعتذارات إنسانية، بقدر ما يستوجب أبحاثًا نفسية ودراسات اجتماعية. انتحاريٌّ سُنِّي يفجر نفسه في مسجد شيعي في كابول. هجوم شيعي مسلح على مسجد سني في بغداد. قتل المئات من مسلمي الروهينغا على أيدي بوذيين في ميانمار. منع الأقباط في قرى مصرية من أداء صلواتهم لأن مشاعر المسلمين تتأثر سلبًا. تتراوح المشاهد “الروحانية” العجيبة، والظواهر “الإيمانية” المريبة، لتخلق حالة “إنسانية”غريبة.

والغرابة هنا لا تقتصر على أسباب الشعور بالغضب أو الجرح أو الإثارة لأن آخرين يصلُّون بطريقة مختلفة؛ لكن الغرابة الحقَّة هي أن هذا الشعور غير العقلاني منزوعَ المنطق، لم يعد يثير الاستغراب أو الاستهجان أو حتى يستدعي الشجب أو يستوجب العلاج.

الواقعة الغريبة الدائرة رحاها هذه الأيام في مصر، وتحديدًا في محافظة المنيا (محافظة مصرية فيها نسبة كبيرة من المسيحيين وشهدت تعديات على كنائسهم وأعمالًا إرهابية استهدفتهم) في جنوب مصر، نموذج من نماذج الغرائب الروحانية في زمن الحداثة. فالقرية الصغيرة التي كادت تعصف بها أزمة طائفية عنيفة، تحوي كنيسة تحت الإنشاء منذ سنوات عدة. ولأن هناك العديد من القيود الرسمية وغير الرسمية على بناء وترميم الكنائس، فقد توجَّه عدد من المسيحيين إلى المبنى قبل أيام لأداء الصلاة. تصدت لهم مجموعات من أهل القرية من المسيحيين ومنعتهم من الوصول إلى المبنى المذكور.

المذكور والمعروف في مصر على مدار سنوات تَنامي تيارات الإسلام السياسي، هو أن الكثيرين من المسلمين باتوا يشعرون بأن واجبهم الديني يحتم عليهم تقليص مظاهر الوجود المسيحي. هذا التنامي الزاحف من القرى والمناطق الشعبية والعشوائية إلى شتى أرجاء البلاد، جعل من مشهد الصلاة الكنسية سببًا للتوتر ومدعاة للاحتقان.

وزاد طين التشدد بلة الصمت الرسمي. مُحافظ المنيا عصام البديوي قال إن بعض المسلمين “يرفضون” إقامة صلوات المسيحيين في أماكن غير مرخصة. ويُحسب له اعترافه بأن المسيحيين يتقدمون بطلبات لترخيص أماكن للصلاة، فتحصل الاستجابة أحيانًا، أو الموافقة بشرط اختيار مبنى في مكان آخر، أو رفض الطلب برمَّته.

القوانين تكفل حق العبادة للمسلمين والمسيحيين على الورق؛ أما على الأرض، فإن الثقافة التي باتت سائدة والتشدد الذي أصبح ظاهرًا، يشيران إلى حق الأغلبية فقط في الصلاة. الأرصفة التي تمتلئ بالمصلين عن آخرها في صلاة الجمعة، والشوارع التي يغلق بعضها في صلوات التراويح في رمضان، وأحْرَام محطات المواصلات العامة وطرقات المؤسسات الحكومية التي تحوَّل الكثير منها إلى زوايا للصلاة، تقف شاهد عيان على أهمية الصلاة في حياة الناس. لكن ماذا عن صلاة الآخرين من غير الأغلبية؟!

الأغلبية صداع في رأس الأقلية. الأغلبية المسلمة تخشى الأقلية المسيحية، والشيعية تهددها السنية، والبوذية تخيفها المسلمة، والسنية تخشى الشيعية، واللادينية تكره الدينية، وقائمة المشاعر المحتقنة لا تنتهي.

وسينتهي هذا الاحتقان القاتل أو على الأقل سيتقلص، حين يكشف لنا العلماء عن سر التوتر الذي يصيب هذا، حين يرى ذاك يصلي. أنت مؤمن وتقيّ وقريب إلى الله. تصلي له وحده وتتضرع له دون غيره. ما الذي يضيرك إذن في من يصلي له بطريقته ويتضرع له بأسلوبه؟! أَإذَا استيقظتَ ذات صباح ووجدت سكان المعمورة واقفين إلى جوارك يؤدُّون صلاتك، ويرددون كلماتك، فهل تكون حياتك أفضل ومعيشتك أنقى؟!

ولنفترض فرضًا أن الكوكب صار غدًا كوكبًا مسلمًا سنّيًّا (أو شيعيًّا)، أو بات مسيحيًّا (بحسب طائفتك)، أو يهوديًّا، أو بوذيًّا، أو لا دينيًّا، فكيف سيؤثر ذلك في حياتك اليومية؟! ثم إضافة هذه المليارات “الضالَّة” إلى معتقدك، هل تجعل منك حقًّا عبدًا إلى خالقك أقرب؟! إنْ كانت الإجابة “نعم”، فرَجاءً إرسال الأدلة والبراهين؛ أمّا إنْ كانت “لا”، فرجاءً تَرْك الآخرين يصلُّون، أو لا يصلُّون.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.