الرئيسية > رأي عام > مقالات > طفل يمني: لم خلق الله القتلة؟
أحمد ناجي (اليمن)

طفل يمني: لم خلق الله القتلة؟

الإثنين ٢٠١٧/١٢/٠٤م   |   ١٤٣٩/٣/١٦ هـ

 

لا يُدرِك معنى الحرب إلا من عاشها، ولا يحس بألم الفقدان إلا من جربه، ولا مصيبة أكبر من الحرب ونيرانها ونتائجها. فالأرقام التي تظهر في نشرات الأخبار لضحايا الصراعات تجلب الحزن إلى بعضهم ثم تتلاشى، لكنها لأهالي الضحايا تعني أزمنة من المعاناة التي لا تنتهي إلا بانتهائهم، وتظل لمن خلفهم قصصًا من الفجيعة. تمشي الحرب في طرقات البلاد التي تسكنها كملك موت يوزع الكوارث على الجميع، يتقصَّد المدنيين من نساء وأطفال، يطعمهم الجوع ويذيقهم صنوف المرض، باستثناء أمراء الحرب الذين يسلِّمهم الألمُ خلطته القاتلة ويُودِعُها في مخادعهم؛ ليمنحهم رؤية اللقطة الأخيرة من مسلسل الخراب والدمار الذي يُحْدثه. وفي غمرة الخراب، تترك الحربُ مآسِيَ على جنبات الطريق لا نلاحظها بسهولة، أو ربما نتجاهلها لوجود ما هو أسوأ منها.

قبل أشهر سألني صغيري ونحن نتجاوز إحدى نقاط المسلحين: أبي، لِمَ خلق الله القتلة؟ لم أستطع أن أجاوبه؛ ربما لأني لا أستطيع تقديم إجابة مقنعة يستطيع أن يفهمها طفل في مثل سنه، أو ربما لأني كنت أسابق الريح بسيارتي كي لا تصيبنا قذيفة موت، فتقضي على صغيري وعلَيَّ قبل أن نعثر على إجابة عن سؤاله المثير. لاحقًا حاولتُ أن أخبره أن الإنسان يولد مجبولًا على كره القتل وأذى الناس، لكن الشيطان يُخرج منه أسوأ ما فيه، فيصبح قاتلًا لنفسه أوَّلًا بتبنِّي الشر، ثم يصبح قاتلًا لغيره بعد ذلك. فكَر صغيري قليلًا ثم سألني: لماذا خلق الله الشيطان إذن؟ قلت له: سوف نحتفل بعيد ميلادك قريبًا، وسنشتري بالونات وكعك موكا. الحقيقة كنت أحاول الهرب من الإجابة، فأنا لم أعد أملك إجابات عن كل التساؤلات التي تزرعها الحرب في ذهنه كل يوم.

يبلغ ابني ناجي من العمر خمس سنوات ونصف، وُلد بين حربين وعاش طفولته الكاملة في الحرب والصراع، صارت أحلامه كل يوم تشبه المناظر التي تأتي من أراضي المعركة. في بداية الحرب الأخيرة طلبت منه أن يخبرني عن الهدية التي يريدها، فقال لي دون أدنى تفكير: “اشْترِ لي دبابة”، ثم راح يحكي عن بطولته المنتظرة في أن يحارب الشر ويُجْهز على القتلة. شعرت بالعجز أمامه، لا أستطيع أن أوقف دخان المعارك من أن يتسلل إلى عقل صغيري، إنه يشكل شخصيته بصورة مخيفة، ويجعله مسكونًا بآثار الحرب دون أن يشعر.

هذه الأحلام الشاقّة التي يعيشها صغيري هي فصلٌ من نتائج الحرب، والعلامات المؤلمة التي تصيب أطفالنا ليست فقط تلك الجروح المباشرة التي يلحظها الجميع، بل هي أيضًا جروح تختبئ في داخل أطفالنا، تفزعهم في أحلام النوم واليقظة، وتتحدث بألسنتهم في أحاديثهم اليومية، وببراعة فائقة تشكل شخصياتهم وتفرض عليهم طريقة التفاعل مع الحياة، تعيد ترتيب خريطة أولوياتهم وتجعل منهم مادة بطيئة الحركة مع الحياة. ما يعيشه صغيري، يعيشه حوالي 11 مليون طفل يمني، سلبت الحرب منهم الكثير من طفولتهم، سلبت منهم لعبهم، أحلامهم، أمنهم، أطرافهم، وسلبت حياة بعضهم بشكل كامل.

في بداية العام الدراسي وبسبب شبح الحرب لم يتمكن أطفال اليمن من مواصلة تعليمهم، فمدافع الحرب أخرست أصوات أجراس الحصص، وتحولت معها الكثير من المدارس إلى مبانٍ بلا سقوف أو حيطان لكثر ما طالها من قصف ودمار، ومع إقفال كل باب حجرة دراسية هناك آلاف الأحلام التي تتوقف، أو ربما تتوجه صوب أماكن إطلاق المدافع، حالمة برؤية بقايا طباشير بدلًا من أعقاب الرصاص.

في هذا العام كان بعض الأطفال أكثر حظًّا من غيرهم، ففي بعض المدن فتحت بعض المدراس الخاصة أبوابها بشكل جزئي. التحق ناجي بإحدى هذه المدارس كمحاولة لأخذ إجازة من التفكير في أمر الحرب، لكنه في المدرسة يظل صامتًا في أغلب الأوقات، أو يتحدث مع ذاته بصوت مرتفع، يتفاعل مع حصة الرسم أكثر من غيرها، يرفض الرسم بالألوان ويستمتع بحياكة أفكاره على الكراسة بقلم الرصاص، ربما كان ذلك بالنسبة إليه شكل التعبير الأمثل الذي يعبر عنه.

 

                                                          drawing

في الأسبوع الفائت عاد ناجي من المدرسة حزينًا؛ لأن معلمة الصف أخبرتهم أنهم لن يستطيعوا مشاهدة شاشة العرض، لِكون الوقود قد نفد من المدرسة. في المساء كانت والدته تراجع كراسة رسومه، فوجدت إحدى لوحاته التي اختار لها الورقة الأخيرة من الكراسة، رَسَم فيها صورة طفل يموت بقذيفة حربٍ بجوار دبابة، ودم يسيل من رأسه، وفي الجزء الأيسر من الرسم تعود إلى الطفل الحياة من جديد، ليستطيع بعدها أن يحلم بالحديقة والأصدقاء وسيارات السباق. إنها لوحة تجسد ألم الواقع، وقوة الأمل الذي ما زال يحمله صغارنا بأن يعبروا إلى عالم بلا حرب أو دمار. ويبقى السؤال: هل يتمكن صغيري في ظل موجات الحرب أن يحافظ على قوَّتَي الحياة والأمل، اللتَين تسكنان الجزء الأيسر مِمّا رسمه بقلم الرصاص؟ هذا ما أتمنى.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.