مصطفى سعدون (العراق)

طِفلُ الحرب

الأربعاء ٢٠١٨/٤/١١م   |   ١٤٣٩/٧/٢٦ هـ

لم أكن مُنتبهًا للساعة في تلك اللحظة، لكنني كُنت أرقُب وأُلاحظ عيونَ مَن حولي، كطفل عاش 14 عامًا ينظر إلى صدَّام حسين على أنه إله بَعْد الله.

على قناة PUK الأرضية الكُردية، التي كان يصل بثُّها إلى قضاء “بيجي” في محافظة صلاح الدين، كنا أيام الحرب نُشاهد الجنود الأميركيِّين يقتربون بدبَّابة ومدرَّعة نحو ساحة الفردوس ببغداد، حيث تمثال صدام الشهير.

لا أعرف ماذا حدث، ولم أتوقَّع ماذا سيحدث، لكنني كُنت أرتجف بناءً على حديثِ مَن حولي، بأن الصواريخ قد تسقط على المنزل في أية لحظة. في الخارج أسمع صياحًا وعِياطًا لمجموعة من أعضاء حزب البعث وهم يحملون السلاح، في حين كانت في البيت الذي نتجمع فيه، امرأةٌ بعينين دامعتين، وهي تُشاهد لحظة سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد.

أكثر ما كان يُشغلني في كل ذلك، ورغم خوفي، هو أن يَصِل بِسَلام جهازُ الـplay station، الذي سيستأجره أخي من محلِّ الألعاب.

في الشارع، كان هُناك العشرات من الرفاق الحزبيين (البعثيّة)، يرتدون كوفيّات حُمْرًا، وبدلات زيتونيّة، وعلى صدورهم جِعاب لرصاص البنادق التي يحملونها. بعضهم يتحدث بـِ “كذبة” سقوط التمثال، وأن الأميركيِّين لم يدخلوا بغداد، وبعض آخر يَحشد الشباب لـ”الدفاع” عن العراق والرئيس صدام حسين. كنتُ آنذاك طفلًا غير قادر على استيعاب كل شيء مِن حولي، غير أني كنتُ مُعبَّأً بأفكار الوطنية الجوفاء، فأنظر إلى مَن يرتدي الزيتونيَّ كبطل، يُمكنه قتل أولئك الذين جاؤوا بطائرات ودبابات ومدرعات من بلاد بعيدة اسمها أميركا، صُوّر لنا كل مَن فيها أنه “مُجرم، وشيطان”.

يبتسمُ خالي وهو يترقب لحظة سقوط التمثال، في حين جيراننا ما زالوا ينظرون بحسرة إلى التلفاز، وكأن الحبل لُفَّ حول عُنق ولدِهم. لم يتحدثوا بشيء سوى قولهم: “راح يرجع”. مُؤكَّدٌ أنهم كانوا يقصدون صدام حسين. تناقضَت مشاعري أنا الطفل، وحدث في عقلي شيء من الخلل. فهل هذا تمثال “بابا صدام” البطل، مثلما قالوا لنا في المدرسة، يُسحب ويُسحل على الأرض؟! بعضهم شامتون وصامتون، وامرأة تبكي، مع من أكون أنا؟

سبّ أحدهم صدَّامًا، لا أتذكر من هو، وتحدث بجرائم حُكمه وبشاعته، لكنني بقيت أخاف أن أؤيِّده، وأخاف أيضًا أن أكون مثلما كُنت، قبل يوم ذلك الطفل الذي تربَّى في فترة حزب البعث وتعليمه التعبوي. بقيتُ أنتظر وصول الـ play station.

بعد يومين أو ثلاثة على ما أعتقد، كُنت أتحدث مع أُمي وأنا أتأمل ما يُمكن أن يكون خلال السنوات الخمس القادمة. أقول لأُمي: “يمَّة، آني وِاللِّي بعمري راح نعيش خُوش حياة، لأن الأمريكان راح يطَوْرُونا”. أمي التي قالت لي: “إن شاء الله”، عندما حدثتها بمستقبل جِيلي “الوردي”، كانت تعرف أن ما قُلته غير صائب، أو أنها كانت مُنشغلة بإعداد الطعام، فجاملتني بكلمتين. لكن، تَبيَّن فيما بعد أن لا مستقبل لنا.

بعد 15 عامًا على سقوط نظام حزب البعث، كان الناس يأملون خيرًا في مَن جاء بعد صدَّام، وفي أن التنمية بكافة مستوياتها ستكون موجودة في بلاد النفط، لكنهم صُدموا. أكثر من ثلاثين مليون إنسان صُدموا خلال أقل من عقد!

عشتُ 14 عامًا مع نظام صدام حسين، و15 أخرى مع الأحزاب التي حكمت بعده، فضاعت ثلاثة عقود من حياتي بين حرب وحصار وحرب وإرهاب. فأيّ عُمر ذلك الذي عاشه ويعيشه أبناء جيلي؟! لم يُضمِّد أولئك الذين عارضوا صدَّامًا ولَعنوا حُكمه، جراحَ العراقيِّين، بل أسهموا كثيرًا في تعميقها؛ فتسببوا بحرب طائفية، ثُم بضياع مؤسسات الدولة، وُصولًا إلى دخول تنظيم “داعش”، الذي استغلَّ كل الفراغات والفجوات التي سبّبَتها الأزمات السياسية في البلاد.

لحظة سقوط تمثال صدّام حسين، لا تُقدَّر بثمن لدى أغلب العراقيين، لكنها في ذات الوقت لحظة بؤس وشؤم؛ فهي جاءت بأشخاص كلهم صدَّام، وإنْ كانوا يُعارضونه في وقت ما، لكن أفعالهم تُشير إلى وجود صدَّام مُضمَر في داخلهم.

من الصعب على أحد أن يصف الـ15 عامًا، التي مرَّت على العراقيين بعد عام 2003. فكل يوم فيها شاهِدٌ على ملايين قصص البؤس والحرمان والموت، وكل لحظة فيها تُثكَل أُمّ، وتُرمَّل حبيبة، ويُيتَّم طفل.

ولأننا لا نُحبّ صدَّامًا، ليس لأنه صدّام، بل لأنه ديكتاتور وفاسد، فإن المشاعر هي ذاتها تجاه من جاء بعده، وإنِ ارتدى زِيًّا آخر. فصدّام الذي قَتل وسرق ونهب، لم يمُت.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.