الرئيسية > رأي عام > مقالات > عقيدة الفرقة الناجية
رشيد سعدي (المغرب)

عقيدة الفرقة الناجية

الإثنين ٢٠١٨/٤/٢٣م   |   ١٤٣٩/٨/٨ هـ

 

كنتُ في محاضرة بمعهد “الموافقة” لِعِلم اللاهوت في الرباط، حول الموقف الإيجابي للإسلام من الأديان الأخرى. الكثير من مُداخَلات الطلَبة المسلمين أصرَّت على أنه يستحيل الحديث بأديان أخرى غير الإسلام، الذي يعتقدون أنه قام بنسخ الأديان الأخرى، التي أصبحَت فاقدة لـ”صلاحيتها” الروحية. عايشتُ الموقف نفسه عندما تحدثتُ بالإسلام متعدِّدًا، إذ يجري استعمال مقولة “الفرقة الناجية” للحديث بشكل معياري واحد للإسلام، فيتحوَّل الشيعة إلى “روافض”، والسُّنة إلى “نَواصِب”، والسلَفِيُّون إلى “إرهابيِّين”، والصوفيَّة إلى “مبتدِعة هراطقة”؛ ويصبح كل غير المسلمين كفّارًا، مع أنهم يشكلون جزءًا كبيرًا من البشرية.

أصبحَت لغتنا الدينية مُوغِلة في الفقر، لا تتوافق مع الحداثة الدينية، بوصفها وعيًا بنسبية المرجعيات الدينية وطُرق فهمها. ويتّسم التعليم الديني الإسلامي التقليدي عمومًا، بتبسيط مُفرط، ورفضٍ للتعقيد الديني داخل الإسلام أو خارجه، ويجري الاستعانة بمقولات الباطل والحق لتبرير البؤس المعرفي، الذي يقتل الرحابة الإلهية في قلوبنا.

سعى الفكر الديني المعاصر، لدراسة التعددية والعلاقة بين الأديان، وذلك من خلال أسئلة عميقة مثل: ماذا تعني كل هذه الأديان حولنا؟ لماذا لا نتقاسم نفس أنماط البداهة؟ ما معيار حقَّانيَّة الأديان؟ ما نماذج العلاقة بين الأديان؟ ويكشف النقاش الديني داخل المسيحية عن تطور الموقف من الأديان الأخرى، عبر صيرورة لا تزال قيد الإنجاز، تتحدد من خلال ثلاثة مواقف:

1- الموقف الأول: الإقصائي، أو ما يسمى الانحصارية الدينية، المبنيّة على فكرة أنه لا خلاص خارج ديننا أو حتى خارج مذهبنا الديني. ثَمَّة دين واحد حقٌّ؛ أما الأديان الأُخَر فهي مجرد باطل وصناعات بشرية. تُشكل هذه الفكرة الموقف المهيمن داخل أغلب المنظومات العَقَدِيَّة؛ لأنها تمنح كل المؤمنين رؤية بسيطة، وترسم حدودًا واضحة بين الحقيقة والضلال.

عَمِل الكثير من رجال اللاهوت المعاصرين على نقد هذا الموقف وتبيان تَهافُته على المستوى الديني، فضلًا عن كونه يحُول دون إمكانية الانفتاح على الأديان الأخرى. كان من الضروري الانتقال من عقيدة الحقيقة الأحادية إلى عقيدة الحقيقة المتعددة، وذلك من خلال الموقفَين الثاني والثالث.

2- الموقف الثاني: الموقف الشمولي أو الاحتوائي، الذي يعني أن ديانةً مركزية تجسِّد الوحي في كماله، وأنها قادرة على احتواء أديان أخرى لا تملك قيمة في حد ذاتها، بل فقط من حيث إنها تشكل تجسيدًا غير مباشر، لهذا الوحي الكامل والوحيد الذي اختاره الله للبشر. يمكن لكل البشر أن يحققوا هذه القيم الروحية، حتى من خلال ولائهم لأديان قد لا تكون بالضرورة مبنية على الوحي. فمثلًا تعتقد الشموليةُ المسيحية كونيَّةَ الروح القدس، وعملَه في كل البشر من خلال سَيْرهم نحو الله. لذا، تَملك الديانات غير المسيحية دلالة إيجابية، في الخطة الإلهية العامة لمصلحة البشرية.

في الإسلام، يسمح القرآن بقراءةٍ تعدديةٍ احتوائية للمسيحية واليهودية وغيرهما، تُجسِّد الإسلام بالمعنى العام أو بمعنى دين الفطرة. التعددية بهذا المعنى لا تقول بالمساواة بين جميع الأديان، ولا تمنع أي دين أن يعتقد فرادتَه كوحي نهائي. لا شك في أن الموقف الاحتوائي قد لا يكون إلا شكلًا غير مُعلَن من الموقف الإقصائي، لكنه يظلُّ مع ذلك تطوُّرًا مُهمًّا في اتجاه الاعتراف بالأديان الأخرى. يُعتبر الموقف الاحتوائي الموقف الرسمي للكنيسة الكاثوليكية.

3- الموقف الثالث: الموقف التعددي، وهو تعميق للموقف الثاني، حيث لا توجد حقيقة دينية مُطْلَقة بل فقط حقائق نسبية، ويجري فهم الأديان على أنها تشكل طُرقًا مختلفة ومستقلة نحو الحقيقة، ومتساوية من حيث قيمتها الخلاصية، التي تتأسَّس من خلال المعنى الذي يمنحه المؤمنون لعقائدهم. تعني نسبية الحقيقة الدينية أن المركز هو الله، اللهُ الذي يتجاوز كل أفهامنا، وليس الدين أو المؤسسة الدينية.

في مجال المعرفة الإسلامية، لا يزال النموذج المهيمن هو النموذج الانحصاري؛ أما النموذج الاحتوائي فلا يزال مهمة صعبة، بالنظر إلى مَأسَسَة التأويل واحتكاره من طرف “الناطقين باسم الله”. إن قبول فكرة التعددية الدينية، يعني تفكيك عقيدة الفرقة الناجية التي تُعتبر أساس الفكر التكفيري، ويعني سياسيًّا بالنسبة إلى المسلمين، ترشيد الإيمان وأنسَنَته من أجل بناء مجتمع مدني، يُقرُّ بحياد الدولة دينيًّا، ويفصل بين القانون والعقيدة. وأيضًا يعني الاعتراف بنسبية التجارب الإسلامية وتاريخيَّتها، والانتقال من فِقه اليقينيات إلى فقه التواضع {ومَا أُوتِيتُم من العِلم إلَّا قليلًا}، ومن فقه الفرقة الناجية إلى فقه حبِّ الإنسانية ونجاتها. يُنشد جلال الدين الرومي:

“أنا القنديل والمحبوب…

أنا اثنتان وسبعون فرقة في الدنيا، وأُقسم بربي أنها ليست شيئًا غيري”.

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.