أمينة خيري (مصر)

فاطر رمضان

الأربعاء ٢٠١٧/٥/٣١م   |   ١٤٣٨/٩/٦ هـ

“يا فاطر رمضان، يا خاسر دينك، القطة السودة تقطع مصارينك (أمعاءك). ياصائم رمضان، يا مصالح ربك، القطة البيضاء تبوسك من خدك!”. هكذا كانت الأغنية الفلكلورية، التي يغنيها الصغار قبل سنوات كثيرة مضت.

لكن صائم رمضان ومُفطره، في العقد الأول من الألفية الثالثة، وضْعُهما يختلف. فالأول ضَمِن دنياه، وظنّ العامة أن آخرته كذلك باتت مضمونة؛ أمَّا الثاني فقد ضمن تربُّص الدولة به، وتحرُّش مواطنين به، ومطالبة أصوات بجلده ورجمه وربما بقتله، ومعاضدة أصوات أخرى له باعتبار صومه أو إفطاره مسألة شخصية، وإن بقيت مسألة مجاهرته بالإفطار قيد خلاف واختلاف، وجدال ونقاش، وبقيت آخرته أيضًا بين يدي الله، لا تحددها الدولة، ولا يسيِّرها المواطنون، سواء من أوسعوه ضربًا، أو من ناصروه من باب حرية الاختيار. لكن في الكثير من مجتمعاتنا، لا مجال للحديث عن حرية الاختيار، ولا موطن للإشارة إلى أن المحاسب هو الله، ولا مقام للنقاش حول جدوى محاسبة المفطر رغم أنه ربما يكون إلى الله أقرب، أو أفضل، أو أحسن ممن صام لأسباب لا يعلمها إلا هو.

وفي مصر، وعلى مدار العقد والنصف الماضيَين، تصاعدت جهود الشرطة في ضبط حال الصيام وربطه. وهي جهود أثارت القيل والقال. فقد قيل إن الشرطة تتصرف بوازع شخصي، وقال بعضهم إن الشرطة تتصرف وفق القانون من باب أن “المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان قلة أدب، وأن قلة الأدب تخدش الحياء، والقانون المصري فيه نص خاص بعقوبة خدش الحياء”. وكل ما يثار من قبل المسفسطين والمسفسطات، والمُبَلبِلين للرأي العام والمُبلبِلات، والملوِّحين بظواهر الفصام والملوحات، من أن الشرطة تترك الساحة للمتحرشين بالنساء والفتيات، ولا تغلي الدماء في عروقها، أو تنتفض الرجولة في أوصالها، أو تعتبر قيام أحدهم بِمَسك صدر إحداهن أو فخذها أو مؤخرتها خدشًا للرأي العام ليس إلا كلامًا في الهواء؛ لأن المجاهرة بالمعصية شيء، والتحرش بأنثى -غالبًا تستدعي هيئتها التحرش بها- شيء آخر تمامًا.

المقارنة بين مقدار خدش الحياء الناجم عن دخان سيجارة، أو قضمة خبز، أو رشفة ماء من جهة، وحجم خدش الحياء في هتك عرض أنثى مجرد مثال. لكن المثال لا يجد آذانًا صاغية في مجتمعات اختارت-أو اضطرت- قطاعاتٌ منها إلى دقَّ زرِّ التوقيف الموقَّت.

وقفة سريعة عند فتوى صادرة عن دار الإفتاء المصرية، في مثل هذه الأيام من العام الماضي، جاء فيها أن “المجاهرة بالفطر في نهار رمضان لا تدخل ضمن الحرية الشخصية، بل هي نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام، لأن المجاهرة بالفطر في نهار رمضان مجاهرة بالمعصية، وهي حرام فضلًا عن أنها خروج عن الذوق العام في بلاد المسلمين، وانتهاك صريح لحرمة المجتمع وحقه في احترام مقدساته.” حرمة المجتمع يجب ألا تنتهك، لكن الحرمة ليست حكرًا على المجاهرة بالإفطار. ومقدسات المسلمين يجب أن تُحترم، لكن الاحترام يختلف عن الملاحقة. أفراد الشرطة الذين اعتقدوا في العام الماضي، أنهم بمداهمة المقاهي وملاحقة المدخنين، وتوجيه السباب والشتائم لهم، باتوا إلى الله أقرب، لا ينظرون في المرآة. فهم أنفسهم الذين تركوا الشارع “يضرب يقلب”، حيث السيارات المتصادمة بسبب القيادة الجنونية، وغياب تام للرقابة الشرطية، تحصد أرواح 12 ألف مواطن سنويًّا، بالإضافة إلى أضعاف هذا الرقم من المصابين.

ربما المقارنة، أو المقاربة، أو حتى المواربة، في التساؤل حول سبب الاهتمام المنصبِّ على مقدسات المسلمين المُراقَة، بفعل شخص يدخن، أو آخر يأكل، وليس على أرواح المسلمين وغير المسلمين المراقة على الطريق على مدار الساعة غير واردة. فدار الإفتاء لم تُصدر فتوى تحدد فيها مسؤولية قتلى حوادث الطرق، كما لم يَصدر عن المؤسسات الدينية العريقة ما يقطع الشك باليقين، في مسألة قيام جانب من المواطنين بتكفير جانب آخر من المواطنين، بناء على أدلة قرآنية وتفسيرات فقهية، انفرد بها بعضهم.

البعض -مثلي-يرى تناقضًا قبيحًا وتنافرًا مريعًا بين مشهد من سمح لنفسه بملاحقة ومعاقبة مجاهر بالإفطار في نهار رمضان؛ لأنه خدش حياءه وآذى شعوره، ومشهد ما تبقَّى من باص “المنيا” وجثامين الأطفال والنساء الذين أمطرهم “مطبقون لشرع الله” بِوابل من الرصاص، فقتلوا 26 قبطيًّا رفضوا ترديد الشهادة.

خدْشُ الحياء درجات، وتأذِّي الشعور درجات، وكذلك فهمُ الدين والغَرض منه درجات.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.