الرئيسية > رأي عام > مقالات > قتل الصديق المختلف
أمينة خيري (مصر)

قتل الصديق المختلف

الثلاثاء ٢٠١٧/٧/١١م   |   ١٤٣٨/١٠/١٧ هـ

“إذا كان صديقك مختلفًا في رأيه عنك، فكيف تتعامل معه؟” تسأل “تعددية” في صفحتها الرئيسية على سبيل الاستفتاء. قال 75 في المئة إنهم سيحاورون الصديق المختلف، وقال 25 في المئة إنهم سيحاولون إقناعه برأيهم، ولم يصوِّت أحد لخيار التجنب.

ولأن رواد صفحة اسمها “تعددية” هم في الأغلب يؤمنون بشكل أو بآخر، وبدرجة أو بأخرى، بالتعددية، فقد جاءت النتائج مبهرة. وحيث إن المجاهرة بكراهية التحاور، والتفوُّه بما يدور في الخلد من تفضيل التجنب والميل إلى الهجر، وربما الإفراط في الكره والمعاداة، أفعال تحتاج إلى “شجاعة” غير متوافرة، ونظرة ثاقبة في المرآة غير واردة – فإن نسبة التصويت لخيار التجنب جاءت صِفرًا.

لكن صِفر التجنب العنكبوتي، تقابله مليونيات تُناصبه العداء لمجرد الإصغاء إلى الرأي الآخر، والتوجه المغاير، والانتماء المختلف. وبالطبع، هو النوع غير المتطابق والعقيدة الأخرى، والطائفة المختلفة، بل والشكل غير المعتاد أو المألوف، في منطقة أو مجتمع بعينه.

“كرار نوشي” اسم ربما لا يعرفه كثيرون. فهو فنان وطالب في كلية الفنون الجميلة في العراق، أو بالأحرى كان. فقد قُتل بعد تعذيبه كما بدا على جثمانه الذي امتلأ طعنات وسحجات. “نوشي” كان مختلفًا. فبالإضافة إلى وسامته، اختار لنفسه مظهرًا لم يكن مألوفًا. تسريحات شعر غير معتادة عراقيًّا وعربيًّا، وأزياء غير منتشرة في عالم الأزياء الرجالية في هذا الجزء من العالم، أو بالأحرى مستهجنة عربيًّا.

عربيًّا، دوَّن بعضهم وغرَّد حزنًا على الشاب المغدور، وعرف المهتمون أنه تلقَّى رسائل تهديد بالقتل بسبب مظهره، وأخرى توجهه إلى ضرورة تغيير الشكل وقص الشعر إن أراد السلامة. وحين سرت إشاعة عنكبوتية تفيد أنه ينوي الترشح لمسابقة ملك جمال العراق، نفى وغرَّد بأن “ملك جمال العراق هو كل شاب يقاتل داعش”.

لكنَّ المهتمين أنواع، ولا يقتصرون على المدوِّنين والمغردين حزنًا. فهناك من دوَّن وغرد شماتةً في “مخنَّث يستحق القتل”، أو سُموًّا ورُقيًّا طلبًا للمغفرة له لِما اقترفه من تصرفات لا تمتُّ إلى الرجولة بصلة، أو سخرية وتنكيتًا لهذا الاهتمام غير المستحق لتافهٍ فقد حياته.

حياة نوشي وكثيرين غيره ممن يختارون مظهرًا مختلفًا، أو ينتمون إلى فئة تُعدُّ أقلية في مجتمعات الأغلبية، أو يعبرون عن رأي معارض في عهد الرأي الواحد، أو يجاهرون بتعضيد نظام في زمن رفعة الثورات، أو يجرأون على مساءلة فتاوى دينية تحت إمرة السطوة والاحتكار، أو يلمحون إلى قبول آخرين مصنفين في عداد الكفار والفجار، أو ينقبون في تاريخ الزعماء حيث يجدون الزعيم المفدى ما هو إلا زعيم عصابة محنك في الإجرام، أو ينهلون من كتب التراث فيفاجأون بأن ليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما يُنقل مقدسًا، وساحات الخلاف والاختلاف – لا أول لها ولا آخر.

صحيح أن آخر وأقصى وأقسى صُور رفض الاختلاف هو إزهاق الأرواح، لكن مراحل الرفض كثيرة، ودرجات التعبير عديدة. أرقاها الإنصات والاحترام، وأجملها الحوار والنقاش، وأكثرها كلاسيكية محاولة الإقناع بهجر الرأي وتبنِّي الرأي الآخر، وأخفّها ضررًا التجنب والتقوقع؛ وأكثرها شيوعًا المعاداة والمجافاة، وأبشعها – وللأسف- رواجًا على نشرات الأخبار وصفحات الحوادث ومواقع التواصل القتلُ والتنكيل.

نكلت المنطقة العربية بنفسها منذ نبذت الاختلاف، وتملَّكها الرعب من التنوع والتعدد في الألوان والأشكال، وأضرت بنفسها وبمن حولها حين اعتبرت اللون الأسود سيد الألوان وأطهرها، وبدأت تخط كلمة “النهاية” حين عممت استخدام كلمة “آمين”. فلم تعد هذه الكلمة اسم فعل أمر مبني على الفتح بمعنى “استَجِب”، ولم تعد حكرًا على خواتيم الدعاء؛ فقد انتُهكت الكلمة بتفريغها من محتواها المقدس وهالتها السماوية. اغتصبها بشر، وانتهكها مُدَّعُو معرفة، ومحتكرو تفسير وتوجيه.

الوجهة التي اختارتها المنطقة منذ سنوات، وجهة ضبابية غائمة. فلا هي دينية بحتة، ولا علمانية صريحة، ولا اشتراكية وجيهة، ولا رأسمالية بائنة، ولا أي شئ له معالم محددة وملامح مفصلة. وبذلك، باتت المنطقة لقمة سائغة لكل جماعةٍ تدعي أنها وحدها تملك الحقيقة، أو مجموعةٍ تقول إنها تضع معايير الصح والخطأ، أو مُدَّعٍ يحتكر تفسيرات دينية وفتاوى فقهية ووساطات إلهية، أو زعيم يلتصق بمقعد الحكم، أو نظام يستحوذ على خيرات البلاد، وهلم جرا.

ضمان استمرار هؤلاء تَطلَّب رفضَ الاختلاف، ونبذ التنوع، وازدراء التعددية، وقتل كرار نوشي أو إجباره على الإذعان (أو أيهما أقرب)، وهو الخيار الرابع الذي لم تدرجه “تعددية” في استفتائها!

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.