الرئيسية > رأي عام > مقالات > قراءة القرآن بقلب صائم
عدنان المقراني (تونس)

قراءة القرآن بقلب صائم

الإثنين ٢٠١٨/٥/١٤م   |   ١٤٣٩/٨/٢٩ هـ

الصلة وُثقَى بين رمضان والقرآن. فالشهر الفضيل مناسبةٌ لتدبّر القرآن الكريم في ذكرى نزوله الأوّل، فالنبي (صلى الله عليه وآله) تلقّى الوحي أوّلَ مرةٍ في غار حِراء على جبل النور في شهر رمضان. وما صوم رمضان وصلاة التراويح إلا محاولة لاستعادة التجربة الأولى في الزمن الحاضر. يذكر محمد إقبال باعتزاز وصية والده: “اِقرأ القرآن وكأنّه نُزِّل عليك”. تقتبس التجربة الدينية نورها من نبراس النبوة، ووظيفة القرآن هي تغذية هذه التجربة وإمدادها بإشراقات وإشارات تهدي الروح إلى الصراط المستقيم والنور العظيم.

يعمل المسلمون في رمضان على ختم القرآن، أي تلاوته كاملًا طيلة الشهر تعبُّدًا وتدبّرًا. الجانب التعبّدي أساسيٌ في الحياة الدينية، فهو إنصات لكلام الله وشهود للحضور الإلهي في حياتنا، معراج إلى السماء ولقاء بالأنبياء. القرآن هو مركز الصلاة الإسلامية وجوهرها، فالصلاة تفسح المجال لكلام الله لكي يملأ النفوس والأنفاس. لقد تأسّست الجماعة على الصلاة، التي يشكّل القرآن إيقاعها وفحواها. فما الصلاة إلا فُرَصٌ متكرّرة لتدبُّر القرآن، فإن ضيَّعنا الأولى فلا نضيّعنّ الثانية. وإن كان للطقوس جسدٌ من قيام وركوع وسجود، فإنّ روح تلك الطقوس هو التفكّر والتدبّر، بسجود القلب لله، وتسبيح الفهم وتنزيهه، نزولًا من برج الأنانيَّة والاكتفاء، إلى مسجد الحاجة والعطش للحقّ.

وإن كان للقلب سجوده، فإنّ له صومه أيضا. إنّه الصوم الخفي عن كلّ حجاب يفصل بين الله والإنسان، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. إنه طهارة القلب من الأفكار السابقة والأحكام الجائرة والقوالب الجاهزة، تطهير للقلب من الحسد والغيرة والكراهية والكبر والعنصرية… من كلّ الأدران التي تتراكم وتكاد تخنق الحياة وتكتم الأنفاس. صوم القلب يعني تحريره من كل تلك المفاسد حتى في أشكالها المتسترة بالدين: كالكبر الديني والعنصرية الدينية والكراهية الدينية… حينها يقيم المؤمن صلاته بتدبّر القرآن، بقلبٍ متوضئ صائم مقبل على الحقّ بالحق. صوم القلب شرطٌ لاستقامة الصلاة وفهم القرآن. وهو شرط ذاتي، وإن كانت له آثاره الموضوعية المباشرة.

{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 77-79]، من ملائكةٍ مقرّبين وبشرٍ ربّانيين، فلا يختبر معاني القرآن إلا أصحاب القلوب المطهَّرة من حُجب الأنا والهوى. والطهارة هنا روحية قلبية قبل أن تكون حسّية. وهي تعني الدخول على القرآن من باب التجربة الدينية، وليس من باب التوظيف السياسي والاستغلال المنفعي والتبرير التسلّطي. وتقتضي الطهارةُ التواضعَ أمام القرآن والوقوف بين يديه موقف السائل المستفسر، وليس موقف من يبحث عن تأكيد النتائج المقرّرة سلفًا. لا يمكن أن نصغي إلى كلام الله من دون تفريغ النفس من وزرها الثقيل، وترك المجال للاستقبال والتلقّي. وإلا فإننا نكرّر أنفسنا، ولن نجد سوى انعكاسات نفوسنا المريضة وما كنّا نرغب في الحصول عليه عبر الانتقائية الانتهازية والتحريف المعنوي.

الطهارة القلبية تظلّ نسبيةً، وهي أقرب إلى الحركة والمسار منها إلى حالةٍ تُكتسب مرةً واحدة وللأبد، إنها حالة إيمانية والإيمان يزيد وينقص. لذلك نحتاج إلى محطات مراجعة وتوبة، مثل الموعد السنوي مع القرآن في شهر رمضان، ومثل المواعيد اليومية في الصلاة. كما أن الطهارة القلبية لا تعني دخولنا على القرآن كصفحة بيضاء، إذ نحمل في نفوسنا أسئلة عصرنا وحاجاته وتحدياته، لدينا همومنا وآمالنا وخيباتنا، لدينا إنسانيتنا بكل ما تحمله من تألّق وبؤس، من صعود وهبوط، من فطنة وغباء. فالسبيل إلى الله هي سبيل التائبين المعترفين بتقصيرهم. فلا يُشترط للسير في درب الكمال أن نكون كاملين، بل يكفي أن نسعى بصدق وبكل ما لدينا من جهد. لذلك يكون تجرّدنا تدريجيًّا ونسبيًّا، وعلينا أن نكون واعين بالقَبليات التي تحكمنا، مدركين لتأثيراتها. ولكن ليست كل القبليات سلبية، بل ثمة قبليات ضرورية للقراءة المتجدّدة التي تطرح على النص أسئلة جديدة فنجد فيه ما لم يجده السابقون لمجرّد أنهم لم يفكروا في تلك الإشكاليات والأسئلة. فتكون الإجابات جديدة لأن الأسئلة نفسها جديدة.

رمضان شهر القرآن، الذي يفتح فيه الإنسانُ قلبَه للنور الإلهي، منتظرًا الهداية التي تحوّله وتحقّق فيه إنسانيته الكامنة، فتتفتّح البراعم لتصبح أزهارًا يانعة وبساتين رائقة. الصوم هو الصمت الذي تولد فيه الكلمة، شرط حسن الإصغاء لصوت السماء.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.