الرئيسية > رأي عام > مقالات > لا حقيقة في الإعلام والسياسة
فادي ضو (لبنان)

لا حقيقة في الإعلام والسياسة

الخميس ٢٠١٧/٩/٠٧م   |   ١٤٣٨/١٢/١٥ هـ

لا حقيقة مطلقة في الحياة العامة والسياسية. بل تتشكّل المواقف بناء على توجّه الرأي العام في هذا الاتجاه أو ذاك، وعلى الخيارات التي تفترض أن تكون مناسبة للمصلحة العامة، من وجهة النظر هذه أو تلك. فالنسبيّة هي سيّدة الموقف في السياسة. هنا، لا أحد يملك كل الحقيقة، ولا أحد يجهلها كاملة؛ لذلك يقع على المسؤولين أصحاب القرار، أن يتحمّلوا مسؤوليّة قراراتهم، أمام ضميرهم وأمام الرأي العام. لا بل يقتضي الأمر أن يكون المسؤولون كما القاعدة الشعبيّة، مستعدّين لمراجعة المواقف باستمرار، وتقييمها، وتعديلها وفقًا للظروف والفرص.

والمسألة تتطلّب أيضًا في سياق الأنظمة والأحزاب الديمقراطيّة، تغيير القادة بناءً على نجاحهم أو عدمه في تحقيق البرامج لأهدافها، والتي على أساسها جرى اختيارهم. فالتحوّل هو سمة الحياة السياسيّة، والنقاش المستمر والمفتوح هو في أساس تطوير الحياة العامة؛ أما الثبات والركود فلا يعني الاستقرار أو النجاح، بل تراجعًا في الديمقراطية، وتغلغلًا للإيديولوجية، وخطرًا على المصلحة العامة. فالثابت الوحيد في السياسة يجب أن يكون السعي المستمر لتحقيق الأفضل للمجتمع والناس، على قواعد المساءلة، والمحاسبة، وتصويب الرُّؤَى والبرامج، وتطوير الأداء. فنسبيّة الحقيقة في السياسة لا تعني بناءَها على الكذب، أو التضليل للرأي العام. فالسياسة يجب أن تستند إلى الوقائع التي على أساسها يجري وضع الخطط، وتقييم النتائج، وليس على العواطف، أو المصالح الخاصة.

والفرق شاسع بين الوقائع والحقيقة. فالحقيقة ترتبط بالإطار الخلفي الماورائي الذي نقرأ من خلاله الوقائع، ونحلّلها، ونقيّم أثرها، ونأخذ المواقف منها. لذلك تتعدّد المواقف بتعدّد القراءات المختلفة للوقائع، استنادًا إلى هذا الإطار الماورائي، الذي هو في غالب الأحيان غير مدرَك، حتى مِن صاحبه. أمّا الوقائع بذاتها، فهي هي، وعلى الإعلام بذل المجهود لاكتشافها، وتغطيتها، وتقديمها بالقدر الأكبر الممكن من الاستقلاليّة والموضوعيّة. هنا يلعب الإعلام دَورين مختلفين.

يكمن الدور الأول، والأهم برأيي، في رصد الوقائع والسعي إلى كشفها، ونقلها إلى الرأي العام، وخاصة تلك الأمور التي يكون لدى السياسيّين مصلحة في إخفائها، أو تحريفها. في هذا السياق، يكون دور الإعلام ليس في إطلاق الأحكام على من هو فاسد ومن هو صالح من المسؤولين، بل بالأحرى في كشف النقاب عن كيف جرَت هذه الصفقة، أو ما كانت كلفة هذا المشروع الحقيقيّة، وما النتيجة الاقتصادية أو التنموية لهذا الخيار السياسي أو ذاك.

أما الدور الآخر للإعلام فيأتي مستندًا إلى الدور الأول ذي المنحى الاستقصائي، ليسهم في عمليّة تحليل الوقائع ونتائجها. بذلك، يرفد الإعلام الرأي العام بمادة متنوّعة، تُساعده على تعميق تحليله للأمور، وأخذ المواقف منها. هكذا يُسهم الإعلام في ارتقاء العقول والشعوب معها، وترشيد السياسة، وتحقيق الأفضل للمصلحة العامة، عملًا بهذه المقولة لإليونور روزفلت (1884-1962)، عقيلة الرئيس الأميركي السابق فرانكلين روزفلت، ورئيسة لجنة صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة: “العقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، أما العقول الصغيرة فتناقش الأشخاص”.

مع ذلك، يتعامل الناس بعض الأحيان في مجتمعاتنا مع السياسة والسياسيّين على قاعدة الحقيقة وليس الرأي، وعلى أساس القناعة وليس الوقائع، بشكل يُشبه إلى حدّ بعيد التعامل مع الحقائق الدينيّة. فعلى المستوى الإيماني، يؤمن الناس بالله ورسله، وبناءً عليه يعتبرون ما يقولونه حقيقة ثابتة ومقدّسة. يأتي ذلك بفعل إيمانهم بأن الله ورسوله لا يخطئان ولا يغشّان. وهكذا يحصل أحيانًا في السياسة، عندما “يؤمن” بعض الناس بهذا المسؤول أو ذاك، فيصبح تلقائيًّا مصدرًا للحقيقة بالنسبة إليهم. لهذا السبب يتحوّل نمط تعاملهم مع المسائل السياسيّة، إلى الدفاع عن مصداقيّة هذا المسؤول، الذي “يرتقي” بالنسبة إليهم إلى مرتبة “الزعيم”، أو “القائد الملهم”، ويجعلونه فوق المحاسبة والنقد؛ ما يُؤدّي إلى انهيار الحياة السياسيّة، وضياع الصالح العام.

يوجد نوع من التناقض بين ادعاء الحقيقة المطلقة في السياسة، والشفافيّة. فالأول يستلزم التبرير والدفاع غير العقلاني والموضوعي عن المواقف، في حين أنَّ الثانية، أي الشفافيّة، تتطلّب الاستقصاء، والتمحيص، والمعالجة الدقيقة للأمور استنادًا إلى الوقائع المثبتة، وتظهير المقاربات المختلفة للمسائل الشائكة. فالمطلوب في الإعلام والسياسة ليس الحقيقة، بل الشفافيّة. إذ ادعاء الحقيقة بمعناها الثابت والمطلق في هذين المجالين، غالبًا ما يترافق مع كثير من الكذب، فيما تُبقي الشفافيّة الباب مفتوحًا لتنوّع الآراء واختلاف المواقف، واستمراريّة النقاش الذي بانتهائه تنتهي السياسة.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية" يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع ورابط المقال مع اسم الكاتب، أو التواصل مع إدارة الموقع.