الرئيسية > رأي عام > مقالات > لماذا نجحت الاحتجاجات الشعبية في الأردن؟
عامر الحافي (الأردن)

لماذا نجحت الاحتجاجات الشعبية في الأردن؟

الثلاثاء ٢٠١٨/٦/١٢م   |   ١٤٣٩/٩/٢٩ هـ

 

أسهمَت رمزية الحضور الشعبي أمام مقرِّ رئاسة الوزراء في عمَّان، وامتزاجها برمزية شهر رمضان وصور تناول طعام السحور، وصلاة الفجر مع قوات الأمن، في صياغة مشهد ذي صبغة وجدانية قدسية، زاد من زخم الاحتجاجات، وعجَّل في تحقيق أهدافها.

ففي شهر الصبر، لم يَعُد الشعب الأردني قادرًا على تحمل أعباء السياسات الاقتصادية، المختلَّة والظالمة للحكومات الأردنية المتعاقبة، وتسويغاتها المتصلة بإملاءات صندوق النقد الدولي. وأيضًا لم يَعُد الشعب قادرًا على تحمل أعباء اللجوء القَسْري ونتائجه، الذي فرضته الأجندات الغربية في دول الجوار، وتَراجُع المساعدات العربية والدولية على حدٍّ سواء.

يمكن للمتأمِّل في مجريات الاحتجاجات الشعبية في الأردن، أن يخرج بجملة من الأسباب التي أسهمت في نجاح تلك الاحتجاجات. أهمُّها اتساع رقعة التظاهرات والاحتجاجات وعفويَّتها، وامتدادها إلى معظم أرجاء الأردن، واشتمالها على كافة أطياف المجتمع الأردني بشتى أصوله ومنابته.

عدمُ وجود توَجُّه إلى استخدام العنف من قِبل الأجهزة الأمنية والمحتجين، عزَّز من الشعور بِوَحدة الهموم والأوجاع بين أبناء الشعب الواحد، وأكَّد أن المشكلة ليست بين فئة من المجتمع والدولة؛ وإنما هي بين المواطنين وحكومةٍ قد امتهنت تفقير الشعب واستغلاله. ورغم سقوط حاجز الخوف من الأجهزه الأمنية، إلَّا أن الشعور باحترام أشخاص تلك الأجهزة، كمواطنين أردنيين يتقاسمون معهم الهموم والأوجاع، كان عاملًا من أهم عوامل نجاح الاحتجاجات.

نجح الاحتجاج عندما كانت مَطالب المحتجِّين، تتَّصل برحيل الحكومة وإلغاء قراراتها الجائرة، دون المطالبة بإسقاط الدولة، أو التحريض على النظام الملكي للمملكة الأردنية الهاشمية؛ أكد عمق الوعي الذي اتسم به الشارع الأردني. فالهاشميون حَظُوا بإجماع شعبي جديد، أكد قدرتهم على مواجهة التحديات، التي عصفت وما تزال بمنطقتنا العربية.

تَبَلْوَر وعيٌ احتجاجي وطني حضاري، استوعب مآلاتِ الصراعات المستَعِرة في كل من سورية والعراق واليمن وليبيا، واستوعب فشَلَ الحلول العنيفة لِتحقيق المطالب المشروعة للشعوب، بالإضافة إلى تنامي ثقافة حقوقية مدنية، ترتكز على مفهومَي المواطنة والمساواة بين الجميع.

عدمُ تصدُّر الاتجاهات السياسية المعارِضة المشهدَ الاحتجاجي، أعطى المواطنَ شعورًا بأصالة الفعل وشعبيته، وحالَ دون شعوره بإمكانية اختطاف حراكه المشروع، أو الاستحواذ على ثماره المرتقَبة. وأيضًا استفاد الحراك من عدم انخراط الاتجاه الإسلامي في الاحتجاجات، أو رفع شعارات دينيه فيها. وسواء أكان ابتعاد جماعة الإخوان المسلمين عن تصدُّر المشهد ناتجًا من قرار منها، أم كان نتيجة تراجُع قوة الجماعة المتمثِّل باستمرار حالة الانقسام الداخلي، وخسارة بعض مواقعها في النقابات المهنية، فإن الجماعة لم تكن تريد التورط في صراع لا يُحمد عقباه كما في ربيع عام 2011.

بعيدًا عن الشعور الذي راود بعض الأردنيين، بأن ما حدث هو أمر مدبَّر يهدف إلى إخضاع الأردن، نتيجة مواقفِه الرافضة لصفقات جائرة لحل القضية الفلسطينية، أوعدمِ قبولِه نَقْلَ السفارة الأميركية إلى القدس، أو المشاركةَ في حرب اليمن، أو حتى تجريمه لجماعة الإخوان المسلمين؛ فإن سقوطَ فرضيَّة تخوين المحتجِّين والمعارضين، أو اتِّهامَهُم بالعمالة لدول أخرى، لم يَكُونا يَحْظَيان بشيء من القبول، حتى لدى الأوساط الرسمية.

من أهم أسباب نجاح الاحتجاج، استعمال المحتجِّين لشبكات التواصل الاجتماعي في الدعوة إلى الاعتصامات، ومشاركة الفيديوهات والمنشورات، واستعمال خدمة البث المباشر على الفيسبوك. وفي مقابل أسباب نجاح الاحتجاج، هناك عدة أسباب لنجاح الدولة في حل الأزمة، منها: التعامل الحضاري للأجهزة الأمنية مع المحتجين، والتعامل الحكيم من قِبَل المَلِك، وقبوله لاستقالة الحكومة، وتعيينه لرئيس جديد سَبَق أنْ نجح في مهمته في وزارة التربية والتعليم، بالإضافة إلى كونه خبيرًا اقتصاديًّا.

من العوامل التي أسهمت في إيجاد تسوية سريعة للأزمة، عدم وجود توَجُّهات خارجية إلى استغلال الاحتجاجات، على شاكلة ما جرى في سورية أو اليمن. فالحدود الأردنية الممتدة بين كل من السعودية في الجنوب، ودولة الاحتلال الصهيوني في الغرب، تمثِّل مصدر قوة إستراتيجية للدولة الأردنية، تجعل من استقرارها وأمنها مصلحة كبرى، للدول المتنفِّذة في الإقليم وخارجه.

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.