الرئيسية > رأي عام > مقالات > ماذا لو لم ينهَرْ سد مأرب؟
أحمد ناجي (اليمن)

ماذا لو لم ينهَرْ سد مأرب؟

الخميس ٢٠١٧/٥/١٨م   |   ١٤٣٨/٨/٢٢ هـ

تقول الروايات إن القبائل العربية كانت تسكن مأرب، عاصمة مملكة سبأ (اليمن)، بفضل وجود سدها العظيم الذي شكل مصدرًا للحياة في تلك الأرض، وصارت حينذاك جنان مأرب مضرب مثل في رغد الحياة الكريمة، بيد أن الوضع لم يستمر، فقد تسللت مجموعة فئران إلى سور السد وبدأت النخر فيه ببطء. لم يُعِر الناس ذلك الأمر اهتمامًا كبيرًا، ليصحوا ذات يوم على وقع صوت سيل العرم. لقد انهار السد وجرف الكثير من البشر مع بيوتهم، وعادت الصحراء القاحلة إلى مخادع وديان مأرب. غادر القوم أطلال جنانهم وتشتتوا في أصقاع الأرض، لتشهد شبه الجزيرة العربية أكبر موجة لجوء في تاريخها، كان ذلك في منتصف القرن السادس الميلادي.

لم يكن انهيار سد مملكة سبأ هو الدمار الوحيد الذي شهدته منطقة شبه الجزيرة بسبب كهذا فعل، فلاحقًا صارت ثنائية الفأر والسد تتوالى في حياة الأبناء والأحفاد ولو بشكل مختلف، وتكررت قصة الانهيار في أكثر من مكان وزمن. وفي كل مرة تبرز رمزية القصة، سد يبني حضارة، ينهار بفعل بضعة فئران، فيعقبه شتات ونزوح، وبينهما خطأ قاتل يكمن في عدم الانتباه لأمور نعتقد أنها صغيرة، لتقوض لاحقًا حياة مجتمعات بأكملها. ولعل استنطاق التاريخ في حاضرنا اليوم، يكشف بوضوح هذه الثنائية في تفاصيل الأحداث. فأزمات سوريا واليمن والعراق وغيرها من البلدان، كانت نتاج انهيار الكثير من قيم التعايش بين أفراد المجتمع، التي كانت صمام أمان في حياة الناس بمختلف تنوعاتهم في أزمنة عديدة، بسبب أمور اعتبرناها من الصغائر.

لقد بات من المهم التوقف أمام هذه الظاهرة لمعرفة مواطن الخلل وسبل إصلاحها، وكيف يمكن معالجة هذه الانهيارات قبل أن تقضي على جسد المجتمع، وما دام أن عقل الإنسان قد استطاع أن يجد الحلول الكثيرة في مجال العمران، للحيلولة دون حصول الكوارث، وصار بمقدوره أن يقطع الطريق أمام الكثير من القوارض، فإن باستطاعته أيضا أن يجد مصفوفة من الحلول لحماية وتحصين قيم العيش المشترك، حتى يحمي الأرض والإنسان من دعوات العنف والدمار التي تملأ فضاءنا العام.

هنا لا بد من الالتفات إلى أهمية “صيانة قيم التعايش” بين مختلف فئات المجتمع، للتأكد من سلامة وصحة بناء العلاقات بين جميع الفئات المتنوعة، من خلال فتح قنوات للتواصل والحوار، والعمل على المساحات المشتركة والقيم الجماعية بين جميع فئات المجتمع، على المستوى الديني والثقافي والسياسي. هذا النوع من التقارب والتواصل يعمل على إبراز نقاط القوة لدى المجتمع، التي بدورها تشكل سدًّا منيعًا ضد أي محاولات للنيل من حالة السلام الدائم والاستقرار الذي يعيشه. إن من شأن هذه الصيانة القيمية أن تؤتي الكثير من الثمار، وتحقق الخير العام لجميع الناس دون استثناء.

ومما يبعث على التفاؤل خلال العقد الأخير، ظهور العديد من المبادرات التي تدعو إلى تبني مثل هكذا حلول، وتتعامل مع التعددية الثقافية الموجودة في المجتمع كمصدر إثراء لا نقطة ضعف، محاوِلةً تقديم صيغ فعالة لترميم جدران المجتمع بصورة مستمرة، وإن كان صوت هذه المبادرات ما زال خافتًا، إلا أن حاجة المجتمع تفسح لها المجال يوما بعد يوم، وخاصة أن معظم هذه القيم هي جزء من الثقافة الدينية والاجتماعية الأصيلة، لجميع شعوب المنطقة دون استثناء.

إن المتفحص لوضع المنطقة العربية، يجد أن زمن أجنحة الصقور في الكيانات المجتمعية قد بدأ بالأفول، فلم يعد لخطب الهويات الضيقة ذات اللون الواحد ذلك الاهتمام، كما لم يعد يؤدي مسارها سوى مزيد من القطيعة والكثير من الدمار، وهذا سبب آخر يجعل هذه الأجنحة تفقد بريقها. فالإبقاء عليها أو السكوت عنها، يعني الذهاب إلى قعر الهاوية، وهذا ما يجعل الفرصة مواتية للعمل على إعادة بناء المجتمعات وفق قيم التعايش، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جيل اليوم، وتهيئة طريق آمن لأجيال الغد.

إن التساؤل حول ماذا لو وقف مجتمع مملكة سبأ، ولم يسمحوا بتسلل الفئران إلى سور السد؟ يشبه سؤال ماذا لو لم نسمح لأفكار ضيقة بالتسلل الى أسوار قيم مجتمعاتنا؟ وبما أن الأسئلة تتشابه، فالإجابات أيضا تتشابه، فقط تتغير بعض الأدوات في المشهد. فربما كانت الفئران هي كارثة الزمن القديم، لكن الأفكار المتعصبة التي ترفع شعار “ما أُريكم إلا ما أرى”، هي كارثة الزمن الحديث.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.