الرئيسية > رأي عام > مقالات > ماذا لو مات إبراهيم قبل أن يجد الله؟
أحمد ناجي (اليمن)

ماذا لو مات إبراهيم قبل أن يجد الله؟

الجمعة ٢٠١٨/٤/٠٦م   |   ١٤٣٩/٧/٢١ هـ

 

تُعدُّ الخبرة الإيمانية لسيدنا إبراهيم عليه السلام، واحدة من أهم طرق البحث عن الله في النفس والآفاق، إذ إنها تحمل في تفاصيلها رحلة البحث من الشك إلى اليقين، ومن التعلق بالأسباب إلى إدراك حقيقة مسبِّب الأسباب، ومن حالة الإيمان التي تبدأ بموقِفَي الإنكار والشك، إلى حالة الإيمان التي لا تجعل السؤال بداية لإدراك الحقيقة، بل داعمًا للإيمان، وأحد عوامل حيويته ونضوجه.

بدأ إبراهيم من العتَبة الصِّفْريّة متمردًا على الواقع، فلم يقتنع بالدين السائد حينذاك. كان إبراهيم يمارس حريته الدينية في السؤال عن الله، وكانت روحه تتُوق إلى شيءٍ ما لم يجده بين أصنام قومه، ولا في ليل أرضهم أو نهارها: {فلَمَّا جَنَّ عليهِ اللَّيلُ رَأَى كَوكبًا قالَ هذَا ربِّي فلمَّا أفل قالَ لَا أُحبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76]. توجَّه إبراهيم إلى الكون باحثًا عن إجابة، لكن محاولته الأولى كانت غير موفَّقة؛ فالرب المُكتشَف لم يكن حقيقيًّا، إذ تَوارى خلف السحب وانتهى حضوره، ووَفْقًا لمعايير إبراهيم فإن الرب الحقيقي لا يأفل. لم يتوقف إبراهيم هنا، فكان له محاولة إيمانية أخرى مع القمر. لقد كان بزوغ النور منه جذَّابًا، غير أنه لم يستطع أن يروي عطش الإيمان في روح إبراهيم؛ فقد تلاشى النور عند حلول الصباح: {فلمَّا رأى القمرَ بازِغًا قالَ هذا ربِّي فلمَّا أفلَ قَالَ لَئن لَم يَهدني ربِّي لأكوننَّ منَ القَومِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: 77]. لقد كان يسأل الرب الذي لم يكتشفه بعدُ، أن يمنحه المساعدة للوصول إليه، وهذا ما جسَّدَته عبارته “لَئِن لَم يهدني ربِّي”.

كان التخلي عن إيمانه بالقمر بداية لإيمانه بالشمس، فقد أزاحت وجه القمر بطلوعها، لكن الإيمان لم يثبت عند حلول الليل: {فلمَّا رأى الشَّمسَ بازغةً قال هذا ربِّي هذا أكبرُ فلمَّا أفلت قالَ يَا قَومِ إنِّي بريءٌ ممَّا تُشركُونَ} [الأنعام: 78]. اختفت الشمس، وتركت الفتى إبراهيم في حضرة السؤال الحائر: “أين الرب؟”.

حينها يدرك إبراهيم أن الله بكنهه كان حاضرًا فيه طول رحلة السؤال، من اللحظة التي ظل يبحث فيها عنه في الأشياء المجاورة، وأن الوسائل التي كانت تستجلب إيمان إبراهيم المؤقت، كانت هي الأخرى تحمل شيئًا من حضور الله. حينها توجَّه إبراهيم إلى الإيمان بالله المطلق، الذي وجده في هذه الرحلة.

تُعلِّمنا هذه الخبرة الإيمانية أن كل إنسان يحمل في قلبه أسئلة الفتى إبراهيم، وعطشه إلى الإيمان والحقيقة، وأن طرق الإيمان السائدة في حياة الناس، هي طرق إيمان يرغب كل إنسان في إعادة اختبارها حتى وإن وصل إلى نفس النتائج. المهم أن يرتوي من عطش سؤال الإيمان الحاضر في ضميره.

حين كان النبي محمد يحدِّث القوم بخبرة إبراهيم الإيمانية، قال لهم: “نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم”، مُعلنًا أن الشك هو خيط متصل بإلايمان، أو سِفر العبور إليه، أو أنّ كِلَيْهما حاضر في ذات الآخر؛ وهذا ما يجعلنا نقف مرة أخرى أمام سؤال ما بعد الاكتشاف: {وإذ قال إِبرَاهيمُ ربِّ أرني كَيفَ تُحيِي المَوتَى قالَ أولَم تُؤمن قَالَ بلَى وَلكِن ليطمئنَّ قَلبِي} [البقرة: 260]. فبعد سلسلة الاختبارات الإيمانية، يقف إبراهيم مجدَّدًا ليطلب من الله أن يُرِيَه طريقة إحياء الموتى، ويشرح إبراهيم دوافع السؤال بأنها تأتي من دائرة الإيمان وليس من خارجها. فحالة الإيمان هي حالةٌ مَلْأَى بالتأمل والسؤال وإعمال العقل، وليست حالة تسليم وعبادة للأصنام والأفكار الجاهزة.

في حياتنا اليومية تَحضر خبرة إبراهيم لدى الكثير من الناس، خبرة الانتقال من إيمان إلى إيمان، وخبرة الشك والتوجس مما هو متداول عند الناس، وخبرة التأمل في النفس والآفاق بحثًا عن الله، أو اختبارًا لِنُسَخ الإيمان الموجودة. تتبدل أدوات الإيمان المؤقت. لكن في نهاية المطاف، الجميع يعيشون هذه الرحلة.

أتساءل دائمًا: ماذا لو مات أبونا إبراهيم في ليلة اكتشافه القمر كَرَبٍّ؟ ماذا لو انتهت حياته في لحظة إيمانه بالشمس؟ هل سيختلف الأمر؟ هل سنقول: إنه لا يستحق الرحمة لأنه لم يؤمن بالرب الحق؟

إذن، ماذا عن جمهور الباحثين عن الله الذين يعيشون معنا؟ لماذا نُطلق عليهم أحكامًا غيبية مصبوغة بألفاظ الكفر والضلال؟ إنْ كنَّا قد وجدنا الله حقًّا، فلماذا نضيق ذرعًا بالسائرين إليه أو الباحثين عنه في الطرق المجاورة؟

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.