الرئيسية > رأي عام > مقالات > ما وراءَ الصراع المذهبي
عامر الحافي (الأردن)

ما وراءَ الصراع المذهبي

الثلاثاء ٢٠١٨/٦/٢٦م   |   ١٤٣٩/١٠/١٣ هـ

ليس وجودُ المذاهب الإسلامية في حدِّ ذاته، سببًا في إشعال الصراعات بين الناس. ففي الهند مثلًا يعيش قرابة 70 مليون مسلم شيعي إلى جانب أكثر من 150 مليون مسلم سني، وفي تركيا يعيش قرابة 10 ملايِين عَلَوِيٍّ إلى جوار قرابة 70 مليونًا من السُّنّة الأتراك، ولم تَحدث صراعات أو حروب بينهم، كتلك التي حدثت في العراق على سبيل المثال. وهذا يؤكد أن الأسباب الحقيقية للصراعات لا تكمن في الاختلافات الدينية؛ وإنما تعود إلى أسباب سياسية داخلية، كغياب نُظم ديمقراطية وخارجية في بعض الدول، ووجود مصالح لدول قوية تسعى إلى بسط نفوذها على تلك الدول.

كثيرًا ما تسعى الأنظمة الاستبدادية التي لا تملك شرعية شعبية، إلى الاختباء وراء صراعات داخلية، سَواءٌ أصِراعاتٍ مذهبيةً كانت، أم عِرقيَّة، أم عشائرية. والغاية من ذلك هي أن تُشغِل تلك الأنظمةُ الناسَ بعيدًا عن قضاياهم الجوهرية، ثم تَظهر لهم كخِيار وحيد للخلاص من صراعاتهم الداخلية المقيتة.

هناك تحويل مُمَنهج للاختلافات السياسية والاقتصادية، لتُصبح خلافات مذهبية وطائفية، تصطبغ بصبغة قومية عَقَدِيَّة قديمة، تجعل الصراعات تبدو أكثر تجذُّرًا بين أبناء المجتمعات الواحدة. ومن أساليب التأجيج الطائفي التي شاعت في وقتنا الحاضر، البحثُ عن النماذج القبيحة والشاذة في المذهب الآخر، وتعميمها في جميع أتباع المذهب، واستحضارُ أسوأ ما ورد في كتب التراث الديني حول المذاهب والفرق الأخرى، واعتبار كل ما فيها بمنزلة نصٍّ مقدَّس لا يقبل النقد أو المراجعة.

نَعْلم جميعًا أن عموم المنتسبين إلى السنة والشيعة، لا يكادون يعرفون الخطوط العريضة لمذهبهم؛ إلَّا أنهم أصبحوا اليوم أكثر ميلًا إلى التعصب والكراهية، وأكثرَ رغبةً في تكفير أتباع المذهب الآخر. فالصراعات التي تتصل بالهويات الفرعية، تصبح أكثر خطورة وفتكًا عندما تتصل بعقائد غيبيَّة شعبَويّة. والمؤلم حقًّا هو انخراط العديد من المثقَّفين في الترويج للصراعات الطائفية، عِوضًا عن الشروع في صياغة حلول حقيقية، تُخرج مجتمعاتِهم بعيدًا عن ملهاة صراعاتهم الداخلية المزيَّفة.

لقد خرجَت المشكلة عن سِياقَيْها العلمي والتاريخي، وأصبحت جزءًا من عمل الدوائر السياسية والأجهزة الأمنية داخل الإقليم وخارجه. ويكفي أن نَلحظ تراجُع أولوية مواجهة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، أمام تصاعُد الصراع المذهبي بين المسلمين؛ لِنُدرك المستفيد مِن وراء هذا الصراع.

أصدر علماءُ الشيعة في العراق فَتْوَاهم الشهيرة عام 1914، في الوقوف مع الخلافة العثمانية، في وجه بريطانيا وفرنسا والحلفاء الذين أعلنوا الحرب عليها في ذلك الوقت. وعلى هذا الأساس، أدركَت القوى الاستعمارية أنها في حاجة إلى تقسيمات طائفية وعِرقية إلى جانب (سايكس بيكو)، لتعزِّز مصالحها ونفوذها في منطقتنا العربية.

مع وجود بعض الاختلافات في قضايا الفقه أو في فروع بعض العقائد، إلَّا أننا نجد نظير هذه الاختلافات في كتب الفقه والعقائد، بين أتباع المذهب نفسه. وفي جميع الأحوال، أن الاتفاق على أركان الإيمان وأركان الإسلام، يكفي عند العقلاء لتعظيم الجوامع، واحترام الاختلافات بين أكبر مذهبَيْن في مذاهب المسلمين.

ويمكننا هنا أن نستحضر ما جاء في مؤتمر رسالة عمَّان عام 2005، والذي خلص إلى قوله: “إنّ كل من يتّبع أحد المذاهب الأربعة من أهل السنّة والجماعة (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي) والمذهب الجعفري، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي، والمذهب الظاهري، فهو مسلم، ولا يجوز تكفيره. ويحرم دمه وعرضه وماله”. وقد أيَّد هذه الخلاصة كبارُ علماء السنة والشيعة والإباضيَّة، أمثال: شيخ الأزهر، وآية الله السيستاني، والشيخ القرضاوي، والشيخ الخليلي، وغيرهم.

عندما تصبح قوة الانشقاق والتفسُّخ أكثر حضورًا بين أتباع الدين الواحد، من حضور قوة الالتقاء والاجتماع، فإن ذلك يُؤْذِن بخراب العمران، ويقدِّم أسوأ شهادة للقيم الجوهرية في ديانتهم التي ينتسبون إليها.

يعرف الباحثون في تاريخ الفكر الديني، أن الأسباب العَقَدِيَّة للخلاف بين السنة والشيعة، أقلُّ بكثير من أسباب الاختلاف بين البروتستانت والكاثوليك، أو بين اليهود السُّمَرة (أو الطائفة السامريّة) واليهود الأرثوذكس. ومع ذلك، فقد وجد علماؤهم وعقلاؤهم سُبل التقريب والتفاهم بين أتباع دينهم المختلفين.

تُعلِّمنا النظرة المقاصدية الكلية للدين، أن الدفاع عن حرفية العقيدة وتصوراتها الغيبية، ليس أكثرَ أهمية من حياة المؤمنين ووَحدة مجتمعاتهم وقيمهم الإنسانية، وأنّ الدفاع عن إيمان الأسلاف وحُسن إسلامهم، لا يكون من خلال تكفير أبناء عصرنا من المسلمين، الذين نختلف معهم في بعض مَرويّات التراث ومشكلاته، أو الذين نتفق معهم قبل ذلك في وَحدة القِبلة وأصول الإيمان.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.