الرئيسية > رأي عام > مقالات > محاربة “الفِسق” بالفِسق
أمينة خيري (مصر)

محاربة `الفِسق` بالفِسق

الثلاثاء ٢٠١٧/٩/١٢م   |   ١٤٣٨/١٢/٢٠ هـ

 

أسئلة تبحث عن إجابات شرط أن تكون شافية ومقنعة. غير مسموح بـ”لا تجادل ولا تناقش”، وغير مرحَّب بتعطيل العقل وإعمال التهديد وإنفاذ الوعيد. قد تُرهبني بِكُرباج التكفير، أو تهددني بمقصلة التشويه، أو تلمِّح إليَّ بتهمة فِسق وفجور؛ فأَسكت. لكن السكوت لم يكن يومًا حلًّا أو اقتناعًا، لكنه جُرمٌ واقتلاع.

“جريمة” أن يتفوَّه أحدهم بـ”فسق”، فيكون الرد بـ”فسق” مضاعف أمرًا غريبًا مريبًا. وجريرة أن يأتي أحدهم بـ”فجور”، فيكون الرد بـ”فجور” مماثل أمرًا مثيرًا عويصًا. في عالمنا العربي جرت العادة بأن يسمح المجتمع لنفسه بأن يؤدب الأنثى، والتأديب يأتي بناء على ما يعتبره المجتمع خروجًا على العادات والتقاليد والمعايير التي وضعها لنفسه، وهي وضعية لا علاقة لها مباشرة بالقانون، لكنها أقوى وأكثر نفاذًا وأعنف وطأة.

فإذا كان القانون لا يعاقب من يحتسي الخمر، فالمجتمع يحاسب حسابًا عسيرًا، ويكون عسيرًا مريعًا مقيتًا في حال كان المحتسِي أنثى. وقد لا يعاقب القانون من يرقص فرحًا أو طربًا أو بهجةً، لكن العادات المكتسبة والتقاليد المتراكمة، تعاقب الراقص عقابًا معنويًّا حيث قليل من تعنيف، وبعضٌ من ملامة. وفي حال كان الراقص أنثى، فإن العقاب المعنوي يتحول فورًا إلى نهش في السمعة ونبش في الأخلاق، وانتهاك للخصوصيات وما تيسر من عموميات.

تعميم وضعية النساء في الكثير من الدول العربية باعتبارهن فقط أوعية لحمل الأجنَّة، أو أدوات لممارسة الجنس، أو مؤسسات لتربية الصغار، أو جمعيات خيرية تقدم خدمة أعمال النظافة والطهي، أو وَنِيسات لكبار السن، أو وليفات لصغاره، أو مستأنسات للمتوسِّطِين سنًّا – قد يكون ظالمًا، وإن كان ممثِّلًا لشرائح كبيرة وعريضة. وتعميم وضعية النساء في الكثير من الدول العربية باعتبار نزولِهنَّ سوق العمل اقتطاعًا من نصيب الرجال من الفُرَص، وتفوُّقِهن في المهن انتقاصًا من مكانة الرجال في المجتمع، وترأُّسِهن شركات ومصانع ووزارات ومحاكم انتفاضةً تهدد جنس الرجال بالزوال – قد يكون جائرًا.

وما يجري حاليًّا من شد وجذب على صفحات التواصل الاجتماعي بسبب ما كتبته صحافية مصرية قبل أيام من كلمات إيجابية في حق “الفودكا”، يعكس وضعية النساء تارة وتنصيب المجتمع نفسه شرطيًّا للأخلاق تارة أخرى. بل إن ما يجري من جدال حاز اهتمام جماعات الحق في التعبير حينًا والنهي عن المنكر حينًا. قوى احترام العادات والتقاليد تشير إلى أنه لا يجوز أن تتغزل امرأة بالخمور ولو كان ذلك على صفحتها الشخصية، وتتراوح درجات عدم الجواز هنا بين رفض بائن قاتم ينطوي على ضرورة التنديد العلني بمثل هذا “الفسق” والتشهير الجهري بهذا الفجور، وحتمية الوعظ بضرورة الارتداع عما قالت والامتناع عما كتبت، وإلا تعرضت لما لا يُحمد عقباه في مرة مقبلة.

وفي المقابل، تقف قُوى احترام الحريات وعدم انتهاك الخصوصيات موقفًا صارمًا قوامه “دعِ الخلق للخالق”. بعضهم يتساءل: ماذا لو أفصحت عن موقفها المحترِم للفودكا في جلسة خاصة؟ وماذا لو لعنت الفودكا ومخترعها وبائعها ومحتسيها علنًا ثم شربتها سرًّا؟ ويأتي الرد سريعًا: “حتمًا لمضت آراؤها دون صخب، ولاحترمها المتلصصون على صفحتها دون شك”!

ودون شك أيضًا، فإن كفة الشجبِ والتنديد وردِّ الفعل المجتمعيِّ الرهيب المندد بالسيدة وفودكاها، هي أثقل وأكبر. ولأنها تعمل في مجال الإعلام، وكذلك بسبب زوجها المصنَّف “معارِضًا” وفي أقوال أخرى “مشاغبًا”، فقد اتسع مجال الشجب والتنديد اتساعًا رهيبًا. انتقل مِن حيِّز مَن تلصَّص على صفحتها والتقط صورة لكلماتها الإيجابية عن الفودكا ونشرها على ملَأِ الشبكة العنكبوتية، إلى حيز الشجب العام والتنديد الشعبي.

كثيرون ممن أخذوا على عاتقهم مهمة التنديد، لا يعرفونها ولم يسمعوا عن زوجها. بمعنى آخر، ما يعنيني هنا ليس الشق السياسي حيث شبهة محاولات سياسية للنيل من الزوج المعارض، والزوجة الناشطة حقوقيًّا بالإضافة إلى عملها الصحافي، ولكنه الشق المجتمعي الذي نصَّب نفسه مُصلحًا للأحوال ومصحِّحًا للاعوجاج.

اِعوجاج الأحوال المجتمعية، وخلخلة المنظومة العُرفية، ينضحان بما كتبه عابر سبيل عنكبوتي من باب التعليق. لم يشجب احتساء الخمر، لكن شجب وشتم لأن حياء النساء صار شحيحًا، ورجولة الذكور أصبحت هزيلة، والدليل عدم ردع الزوج لها أو مراقبته لأفعالها. سأله أحدهم: وماذا لو كان الزوج هو من كتب هذه الكلمات؟ فرد عابر السبيل بكل ثقة: “هو رجل ومسؤول عن نفسه”.

مسؤولية الرجال عن أنفسهم، ومسؤولية النساء غير المملوكة لهن، تفتحان أبواب اجتهاد المجتمعات في سبل تأديب “الفسق”. فإذا أضفنا إلى ذلك الاجتهادَ المحموم في تفسير الفسق نفسه، فهل يمكن القول بأن محاربة الفسق تجري بفسق أكبر وأعتى؟!

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية" يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع ورابط المقال مع اسم الكاتب، أو التواصل مع إدارة الموقع.