الرئيسية > رأي عام > مقالات > من الأُضحِية إلى التضحية
عامر الحافي (الأردن)

من الأُضحِية إلى التضحية

الإثنين ٢٠١٧/٩/٠٤م   |   ١٤٣٨/١٢/١٢ هـ

نحن في أمسِّ الحاجة اليوم إلى إعادة اكتشاف المعاني الروحية والاجتماعية للدين، ومن تلك المعاني اكتشاف المضمون العميق لمفهوم الأضحية، والانتقال بها من عبادة القرابين والطقوس إلى طهارة الروح وتزكية النفوس، ومن الأضاحي والدماء إلى معرفة معاني التقوى الكامنة في التضحية والفداء.

عندما أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام بأن يُضحّي بأعزِّ ما لديه، وهو ابنه الوحيد الذي انتظر ميلاده سنوات طويلة {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافَّات: ١٠٢]، وجاء في التوراة: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ" (تكوين ٢٢: ٢).

لم يكن الله يريد أن يرى عنق إسماعيل أو إسحق مقطوعًا، ولكنه أراد لخليله إبراهيم أن يكتشف عمق محبة الله المحتجبة وراء قساوة الابتلاء والألم، وكيف أن للمحبة ثمنًا يزداد غلاء كلما كانت المحبة أعظم قدرًا.

من شواهد عظمة إبراهيم عليه السلام أنه أعاد النظر في ثلاثة أشكال أساسية من أشكال العبادات القديمة، التي كانت منتشرة في أنحاء العالم القديم من العراق إلى سوريا إلى مصر القديمة، وهي تقديم الأضاحي البشرية، وعبادة الأفلاك، وتأليه الملوك والأباطرة. ومن أمثلة تلك الأضاحي البشرية ما يروى في مصر القديمة، من أنهم كانوا يُلقون كل عام امرأة شابة في نهر النيل من أجل أن يفيض النهر في موعده، وحتى لا يتسبب في فيضانات مدمرة.

تولَد التضحية من أحشاء المحبة. فحقيقة التضحية هي أن يعطي الإنسان محبوبه أعز وأعظم ما لديه، ومن هذه الحقيقة ندرك مدلول قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر} [الكوثر: ١-٢]. فالصلاة ونحر الأضاحي هما عبادتان تعبِّران عن شكر الإنسان لله على عطاياه الكثيرة. والأضحية تكون أكثر قربًا لله كلما كانت محبتها أعظم في قلب عبده، ولا يملك الإنسان أضحية هي أعظم من نفسه ليقدمها لمحبوبه الأعظم.

التضحية تعني التخلي عن النفس ورغباتها في سبيل الخير والإحسان. فالأضحية ليست مجرد عبادة قربانية تقدَّم لآلهة غاضبة خوفًا منها أو استرضاءً لها، وإنما هي عطاء يعبِّر عن المحبة والشكر اللّذَين يستشعرهما المؤمن تجاه من وهب له الحياة والوجود.

  نحتاج إلى ثورة روحية تنتقل بالفكر الديني من التضحية بالبشر تقربًا إلى الله، إلى التضحية بالنفس ورغباتها إحسانًا للبشر ومحبة لله. ثورة تجعلنا ندرك أن التضحية ليست أن نقدم الآخر قربانًا على مذبح الذات، وإنما التضحية أن نقدم الذات قربان محبةٍ لمن نعرف ومن لا نعرف.

ما جدوى ملايين الأضاحي التي تذبح كل عام في أيام عيد الأضحى، دون أن يذبح المؤمن في نفسه رغبة الكراهية وشهوة الانتقام، أو دون أن ينتصر على أنانيته وعصبيته العرقية والطائفية؟! يمكن لمفهوم الأضحية العميق أن يصحح المفاهيم المغلوطة للجهاد التي جعلت منه محرقة قرابين بشرية، تتنسَّمها آلهة غاضبة تشتهي رؤية الدماء والأشلاء {لن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ} [الحج: ٣٧].

هناك جوانب نفسية واجتماعية عديدة تحتاج إلى دراسة أوسع للعبادات القربانية التي شاعت بين عموم أتباع الأديان، لعلَّها تعالج العلاقة بين خوف الإنسان من الموت، واعتباره حدثًا مرغوبًا بل واحتفاليًّا في بعض الأحيان. واليوم، ومع أن الأضاحي البشرية على مذابح الآلهة لم تعد موجودة، إلا أن مجتمعاتنا الإنسانية ما تزال تقدم الأضاحي البشرية وأشلاء الأطفال والأبرياء على مذابح الصراعات السياسية والاقتصادية.

يجب أن نتعلم من قصة إبراهيم أن التضحية هي من أجل الحياة والإنسان، وليست تضحية بالحياة والإنسان. فالأضحية في معناها الأعمق ليست مجرّد كبش أملَح يُذبح ليُؤكل، وإنما هي نفس زكية تطعم الطعام وتهب السلام لخلق الله جميعًا. فالأضحية عطاء، والعطاء يبلغ ذروته عندما يهب الإنسان حياته رحمة للناس جميعًا.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *