الرئيسية > رأي عام > مقالات > من روائع الرومي (2): موسى والراعي وتعدُّد المذاهب والأديان
عدنان المقراني (تونس)

من روائع الرومي (2): موسى والراعي وتعدُّد المذاهب والأديان

الإثنين ٢٠١٨/٦/٢٥م   |   ١٤٣٩/١٠/١٢ هـ

ما يعبّر عنه المتكلّم والفيلسوف من خلال الأفكار والمفاهيم المجرّدة، يعبّر عنه الصوفي بالقصص والصور الشعرية والرمزية. فاللاهوت الصوفي سرديٌّ بالأساس، يعطي القصة بُعدًا آنيًّا فاعلًا في حياتنا الروحية. ومن القضايا الحيوية التي يواجهها المتكلّم والصوفي، كلٌّ بطريقته، ما يُعرف اليوم بلاهوت الأديان أو لاهوت التعدّدية الدينية، أي الموقف من الآخر الديني ومن التنوّع الديني عمومًا، داخل الدين الواحد أو بين الأديان المختلفة.

من القصص التي تحمل دلالةً لاهوتية عميقة، قصة (موسى والراعي) من المَثْنَوِيِّ لِجلال الدين الرومي. تروي القصة أنّ موسى النبي سمع راعيًا يناجي ربّه بألفاظ بسيطة يغلب عليها التشبيه، وكأنّه يخاطب إنسانًا مثله. فكان يعبّر عن حبّه لله باستعداده لرتق نعله، وتمشيط شعره، وغسلِ ثيابه وقتلِ ما فيها من قمل، وكنس مكانه… فخرج عليه موسى غضبانَ، متّهمًا إيّاه بالكفر والحماقة. صَدم التقريعُ العنيف الراعي المسكين، فمزّق ثيابه وأطلق صيحةً حَرَّى، ليهيم على وجهه في الصحراء.

في تلك اللحظة، يتحوّل الخطاب من توبيخ موسى للراعي إلى عتاب الله لموسى؛ إذ هبط عليه الوحي قائلًا: “لقد فصلتَ عبدَنا عنا، فهل تُراك جئت من أجل الوصل، أم تُراك جئت من أجل الفصل؟”. وهكذا يبدأ خطابٌ طويل يعلّم موسى المعنى الحقيقي للتوحيد، وهو الوصل بين الخلق والخالق، وبين الخلق والخلق. فالله تعالى ينظر إلى طهارة القلوب؛ أمَّا العبارة فهي قاصرة مهما تنمقّت وتأدّبت. فتنزيه الله يكون بتنزيه النفوس عما يدنّسها، وهو الغرض من العبادة. أمَّا الله سبحانه، فهو متعالٍ عن العبارة والفكر والخيال، بما في ذلك من نظريات المتكلّمين والعلماء، التي لا تخلو من تشبيه وإن خفي وشفّ. هذا التطهير الداخلي لا يكون إلا بإضرام نار العشق في الروح، حيث يكمن جوهر التجربة الدينية واللقاء مع الله. ويُختم هذا الخطاب بخلاصة لاهوتية سامية:

“ومِلّة العُشّاق منفصلةٌ عن كلّ الأديان، فمذهب العُشّاق ومِلّتهم هو الله”

“فإنْ لم يكنْ على الياقوت ختمٌ فلا بأس، والعشق في بحر الحزن لا يكون حزينًا”.

والمقصود بانفصال ملّة العشّاق: أنها ليست دينًا جديدًا يُضاف إلى بقية الأديان، ولكنها حقيقة موصولةٌ بكلّ الأديان، ما دام الدين طريقًا صالحة إلى الله، وليس قطعًا للطريق على السالكين بتكفيرهم وإرهابهم. مذهب العشاق ودينهم هو الله، فهم يعبدون الله لا الطريق الموصلة إليه وهي الدين، فلا تتحوّل الوسيلة عندهم إلى غاية، أو ربما إلى صنم.

أما البيت الثاني فيبيّن أنّ قيمة الياقوتة في ذاتها، لا في وجود الختم من عدمه، وهو مثال مأخوذ من سُوق الصاغة. فختمُ الذهب والجواهر يدلّ على دفع الضرائب، كعلامة خضوعٍ للسلطة. فالبضاعة غير المختومة تُباع بأسعار أقل في السوق السوداء، في حين قيمة الياقوتة في ذاتها، عند من يعرف قيمتها، بغضّ الطرف عن أي اعتبار آخر. كذلك الإنسان يحمل قيمته في ذاته، بقلبه المضطرم عشقًا، بصرف النظر عن الأختام السلطوية والاعترافات الخارجية والتوافقات الاجتماعية. هنا يقترن العشق بالحرية التي تصبح من علاماته الفارقة. أما العلامة الثانية المميزة للعشق، فهي السكينة والحبور كحالة فردوسية: {فلَا خَوفٌ عليهِم ولا هُم يَحزنُونَ} [البقرة: 38] مثلًا. هذه هي قيمة الإنسان العاشق الحرّ الحي الممتلئ بهجةً وسرورًا، ولو أُريدَ له أن يغرق ويختنق في بحر من المحن والأحزان، ولو حاصره “حُرَّاس العقيدة” وكفّروه. فهو لا يُشترى ولا يُباع في سوق الضمائر الخربة، ولا تحوّله السلطة إلى سيف فوق رقاب الناس، يدينهم ويُقصيهم ويَحرمهم رحمةَ الله ومغفرته وهدايته.

تريد القصة أن تنتهي بلقاء جديد بين موسى والراعي، بعدما أصبح الأخير وليًّا من أولياء الله، وكأنّ كلمات موسى القاسية كانت “المهماز” الذي حفّز حصانَ روحه لكي ينطلق في سماء الصفاء. تنتهي القصة بالمصالحة بين الظاهر والباطن، وبين الروح والجسد، وبين الدين المؤسَّسي والفرد المؤمن. فكما غيّر موسى الراعي نحو الأفضل، فإنّ الراعي غيّر موسى نحو أُفق أرحب، أُفق العشق. فتَحوّل اختلافهما إلى توبة وعناق. فلا يغترّنّ متكلّمٌ أو فقيه بِعلمه، ولا يتكّبرنّ “مثقَّفٌ” على عامة الناس، ظنًّا منه أن الحقيقة على قياس أفكاره. فالأفكار الدينية تنير وتتوهّج فقط عندما تكون موصولة بنار العشق الإلهي.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.