الرئيسية > رأي عام > مقالات > من روائع الرُّومِيّ: البَبَّغاء والعطّار
عدنان المقراني (تونس)

من روائع الرُّومِيّ: البَبَّغاء والعطّار

الإثنين ٢٠١٨/٦/١١م   |   ١٤٣٩/٩/٢٨ هـ

 

يزخر (المَثْنَوِي) لِجَلال الدين الرُّومي، بقصص تمزج بين روح الفكاهة وعمق الفكرة. كتبها بأسلوب تربوي، يَفهم منه كلُّ قارئ حسب ما يملك من تجربة ووسائل استيعاب. فهناك مستويات من القراءة، بل قراءات مختلفة، تتراوح بين البسيط الظاهر الذي يمكن تحويله إلى قصة قصيرة للأطفال، والمركَّب الباطن الذي يلخّص حكمة متعالية. إن الجمع بين الروحانية الراقية والأدب الرفيع، ميزة مَولَوِيَّة نحن في أمسِّ الحاجة إليها اليوم.

من هذه القصص قصة (الببَّغاء والعطّار)، وخلاصتها -بِتَصرُّف- أنَّ عطّارًا كان لديه ببغاء فصيح، يبهر الزبائن ويجذبهم إلى الدُّكَّان، فكان بمنزلة وسيلةِ دعايةٍ رابحة لترويج البضاعة. في يوم من الأيام، قفز الببغاء خوفًا من قِطّ يلاحقه، فضرب بجناحيه قنينة عطر؛ فاندلقت على الوسادة التي كان يجلس عليها العطار. أتى العطار صباحًا ليجلس كعادته، فوجد ملابسه مُضمَّخة بذلك العطر الفريد. هنالك اشتعل غضبًا، وضرب الببغاءَ على رأسه حتى تَساقَط رِيشُ رأسه، فبات منتوفًا أصلعَ. منذ تلك اللحظة فقَدَ الببغاء صوته، وسقط في حالة من الإحباط منعته من الغناء وتقليد الزبائن. وبمرور الزمن شعر العطار بخطئه؛ ليس فقط لأنه فقَدَ مصدر بهجته، ولكن أيضًا لأن عدد الزبائن بدأ بالتراجع، لغياب السبب الذي كان يجذبهم. حاول العطار بكل ما أوتي من حيلة أن يصلح الوضع، فأتى لِلْببّغاء بالأطباء والحكماء، فلم يُجدِ ذلك نفعًا. فأُسقِط في يد العطار، وأصيب هو أيضًا بالإحباط واليأس. ذات يوم، مرّ درويش أمام المحل، وكانت صلعته تلمع كالشمس، وبمجرَّد ما لمحه الببغاء صاح قائلًا: “أأنت أيضًا ضربك سيِّدُك على رأسك؟!”. فقفز العطار من مجلسه فرحًا أنْ نطق ببغاؤه بعد طول سكوت!

أوّل ما لفت انتباهي في هذه القصة الطريفة، هو إحساس الببغاء بكرامته التي أهينت، فللطيور والحيوانات كرامة أيضًا. ضياع الكرامة يؤدي إلى ضياع الفرح وبهجة الحياة؛ وهذا ما جعل الببغاء يفقد صوته وقدرته على الغناء. النقطة الثانية الهامة في القصة، هي تضامن الببغاء مع الدرويش لِعِلّة (الصَّلَع) التي جمعتهما! فالمشتركون في الألم متضامنون فيما بينهم، فهُم أدرى بخبرة المعاناة ومعناها. وما قد يبدو خطأً مضحكًا من قِبل الببغاء، وهو اعتباره سبب صلع الدرويش تَلقِّيه ضربات من قبل سيده، قد يكون صحيحًا؛ إنْ تأوّلْنا القصة بأن الله يختبر الإنسان عبر الزمان بصنوف الابتلاء، حتى يشتعل الرأس شيبًا، أو يتساقط الشعر من أهوال الحياة!

لكن القصة تحتمل معنًى آخر، وهو أن كل واحد منا يتصوّر العالم على شاكلته. نحن نقيس تجارب الآخرين على تجاربنا، ونفهم الآخر من خلال ما نعرفه من أنفسنا من أفكار ومفاهيم وعدسات معرفية، ونفهم الثقافات الأخرى باستخدام الوسائل نفسها التي نستخدمها في فهم ثقافتنا وتاريخنا. هذه الآليَّة المعرفية تسمى (القياس)، ولها تطبيقاتها في اللغة، والفقه، وعلم الكلام… وفي حياتنا اليومية أيضًا. في علم الكلام تسمى هذه الآليَّة بـ”قياس الغائب على الشاهد”، كأن نحاول (فهم) الله من خلال معارفنا الإنسانية، فنقيس المجهول أو عالم الغيب، على المعلوم أو عالم الشهادة. وهي منهجية قد تكون ضرورية في مرحلة معينة من مراحل نضوج الإنسان، ولكنها سرعان ما تُبْدي حدودَها ومخاطرها؛ لأننا في الحقيقة لا نتعرّف إلى الأشياء كما هي، كموضوعات جديدة للمعرفة، بل نعمل على تمطيط مساحة معرفتنا المحدودة، لكي تشمل مساحات خارج نطاقها. بطريقة ما، نكرّر أنفسنا أكثر مما نكتشف الجديد، فنتصوّر كل (الصُّلْع) مثلنا، تلَقَّوا ضربات على رؤوسِهم!

هذا النوع من القياس يُوقِعنا أحيانًا في خداع الظاهر، في حين مهمَّةُ الدين، أو لِنَقُل الإنسانية البصيرة، هي النفاذ إلى الحقيقة الباطنة؛ بالانتقال من الظواهر إلى الأسرار، ومن السطحية إلى العمق، ومن الوصف إلى التحليل، ومن الشكل إلى المعنى، ومن التعميم إلى التدقيق، ومن السذاجة إلى الحكمة… الحياة التي تَبقى رهينة الرسوم، هي سجن لصاحبها مَهْما كان جَمال “الدُّكَّان”.

لا ندري إن كانت استفاقة الببغاء قد أفادته أم لا! النهاية مفتوحة في القصة، ويمكن أن نكملها بخيالنا، أو بحياتنا نفسها. لا ندري إن كان الببغاء سيعود ليكون (مهرّج) الدُّكَّان والسلطان، أم سيَترك ذلك كله ويتبع الدرويش خارج الدكان، وخارج عالمه القديم، الذي استفاق منه ذات يوم بضربة على الرأس!

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.