الرئيسية > رأي عام > مقالات > مواقع الانفصال الانفرادي (فايسبوك سابقًا)
أمينة خيري (مصر)

مواقع الانفصال الانفرادي (فايسبوك سابقًا)

الثلاثاء ٢٠١٧/٣/١٤م   |   ١٤٣٨/٦/١٦ هـ

تشير المعاجم العربية إلى أن “طهَّر” تعني: خلَّص الشيء من الدنس والأوساخ. ويَنْعت مبتكرو “فايسبوك” و”تويتر” ما ابتكروه، بـ”وسائل تواصل اجتماعي”. وتبجِّل الدراسات ثورة المنصَّات العنكبوتية باعتبارها فضاء للنقاش الحر، ووسيلة لإحياء العلاقات المندثرة، والإبقاء على أخرى حيَّة، رغم طول المسافات. بل وصل الأمر ببعضهم إلى اعتبارها وسيلة تساعد على صلة الأرحام، ووثاق الأصدقاء، ورباط الأحباب.

لكن، ما جرى عربيًّا يشير إلى أنها باتت وسيلة لقطع صلة الأرحام، وتمزيق الوثاق، وتفتيت الرباط. وما نشب خلال سنوات ما بعد هبوب رياح الربيع، صب في خانة الشقاق، وأجَّج مجال الشجار، وجعل من قصر المسافات الافتراضية نكبة لا هناءة.

لقد حوَّل العرب أعظمَ مبتكراتِ القرن، وأبدعَ مخترعاتِ الألفيَّة وبالًا على رؤوسهم، وعلى مَن حولهم. فحوَّل مستخدمو “فايسبوك” و”تويتر” في منطقتنا – التي نباهي ونفاخر بأنها مهد الأديان لا دين واحد، ومهبط الرسالات لا رسالة واحدة، وملتقى الحضارات لا حضارة واحدة، وبوتقة الأجناس والإثنيَّات والأعراق التي لا حصر لها – مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات للتناحر الاجتماعي، ووسائل للتنابز العرقي، وساحات للاقتتال الطائفي، وملتقيات لرفض الآخر ونبذه! لماذا؟ لأنه يقول ما لا يعجبنا، أو يكتب ما لا يتطابق وهَوَانا، أو يعلِّق بما لا يناسب أهواءنا وتوجهاتنا وقناعاتنا، أو حتى يُقبل على عمل “شير” مع من نعتبره مغايرًا لموقفنا السياسي، أو معاكسًا لانتمائنا الطائفي.

وتجدر الإشارة إلى شيوع لفظ “تطهير”، بين أولئك الذين استيقظوا ذات صباح، بعد هبوب رياح الربيع الشتوية على المنطقة العربية، ليجدوا أن صديق العمر يناهض ثورة التغيير التي يعشقونها، أو أن ابن الخالة كشف عن هوًى إخوانيٍّ بينما هم متعلقون بتلابيب الليبرالية العلمانية، أو أن ابنة العم متعاطفة مع فصيل من فصائل المعارضة في الوقت الذي يدعمون فيه الحكم، وهلمَّ جرًّا.

وعلى الرغم من إتاحة آليات الـ”لايك” في حالات الموافقة، والـ”تعليق” لإبداء التعضيد، أو التعبير عن موقف مغاير، إلا أنّ ما جرى كان أقرب ما يكون إلى العنف الافتراضي. احتدمت مناقشات، وتفاقمت سجالات. بعضها وصل إلى حد الشتائم والسباب، لمجرَّد أن هذا لا يتفق وتوجُّه ذاك، أو أن ذاك يرى في معتقدات هذا سفهًا، أو هزلًا، أو نزقًا. بعضها الآخر يرتقي إلى مكانة الـ”ميغالومانيا” (جنون العظمة) باقتدار. المحاسب فلان صار خبيرًا إستراتيجيًّا في شؤون الديمقراطيات، والمهندس فلان أصبح اختصاصيًّا اقتصاديًّا في سبل مواجهة الفقر وتطبيق العدالة الاجتماعية، والطبيبة فلانة تحولت إلى مُنظِّرة في مجال مكافحة الإرهاب ومناهضة الجماعات المسلحة. حتى “عم سيِّد” حارس العقار، ضربه فايسبوك في مقتل، وجعل منه جهبذًا في شؤون المال والأعمال.

كل هؤلاء وغيرهم ملايين، حوَّلَتهم منصات التواصل الاجتماعي، إلى خبراء ومُنظرين واختصاصيين، في مجالات لا تمتُّ لنشأتهم أو دراستهم أو حتى ممارستهم بِصِلة، اللهم إلا في قراءة مقال هنا، أو متابعة برنامج هناك. ولأن المصائب لا تأتي فُرادَى، بل تتواتر مئات اللايكات وآلاف المشاركات؛ فقد أسبغ العنكبوت عليهم شعورًا لا أساس له من الصحة، وإيمانًا لا مرتكز له أو جَذْر، بأن آراءهم وحدها هي الصواب، وكل من يجرُؤ على المناقشة أو المساجلة أو المعارضة، هو جاهل رعديد، أو غيور حقود.

ومع تواتُر الأزمات السياسية، وتوالي العُقد الانتقالية، وتفاقم العوارض الجانبية لرغبات التغيير والتعديل، والتي انقلبت جماعاتِ إرهاب، ومجموعاتٍ ترتدي عباءة الدين وهو منها بريء، تضخمَت ذوات مرتادي منصَّات التواصل الاجتماعي، وصارت عشرات اللايكات كفيلة بدفعهم إلى نعت الأخ المعارض، وابن الخال الرافض، بأقبح الألفاظ وأفظع الاتهامات، وذلك في الخطوة قبل الأخيرة التي تسبق الـ”أنفريند” غير المأسوف عليه.

وبالطبع، فإن قوائم الأصدقاء (سابقًا)، أي لوائح المُعادِين والمنافسين والمناوئين (حاليًّا)، ترفع شعار “العين بالعين، والسن بالسن، والأنفريند بالبلوك”، وهي الأجواء التي حوَّلَت منصّات التواصل الاجتماعي إلى ساحات احتراب انفرادي. وبعد ما كان في زمن ما قبل الحراك السياسي، والسجال الأيديولوجي، والنقاش الثقافي، مجالًا للاتصال بأصدقاء الطفولة، والتواصل مع أبناء العمومة في أرجاء المعمورة، وتبادل الآراء والأفكار- أصبح سلاحًا للتطهير.

يقولون هذه الأيام “طهرتُ صفحتي”، بمعنى تخلصتُ من أصحاب الآراء المخالفة، والتوجهات المغايرة، وتربَّعتُ على عرشها محتفظًا فقط بمن يدق “لايك”، أو يعمل “شير”، أو يعلِّق “لا فض فوك”، وحبذا لو كتب “آمين”! وبين مواقع “التواصل الاجتماعي”، ومواقع “الانفصال الانفرادي”، مُستخدِم يرى الآخر تهديدًا، والمختلِف ترويعًا.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.