الرئيسية > رأي عام > مقالات > مَن يَقسِمُ رحمة الله؟
عامر الحافي (الأردن)

مَن يَقسِمُ رحمة الله؟

الثلاثاء ٢٠١٨/٣/٢٠م   |   ١٤٣٩/٧/٤ هـ

 

سبقت الرحمةُ الإلهية خلقَ الوجود، وشملت في مضامينها الظاهرة والباطنة الخلق جميعهم. والمتأمل في حقائق التنزيل والتكوين، يدرك أن البارئ ما خلق الإنسان إلَّا ليرحمه بما وهبه من نِعَم، وما أوجد فيه من خير وقدرة على المعرفة والعمل. فلكل إنسان حظه وحقه من رحمة الله.

لا بد من التمييز بين النصوص التأسيسية التي تمثِّل “أُمَّ الكتاب” وترتبط بالمقاصد الكبرى للشرائع المنزلة، والنصوص التفصيلية والتكميلية التي تتصل بسياقات تاريخية أو فئات مخصوصة زمن التنزيل. وإنْ كانت ظواهر بعض النصوص تمنع من شمول الرحمة الإلهية، فإن الواجب هو استمرار البحث عن تفسير أعمق لها، ينسجم ومقصدَ الرحمة الإلهية والآيات التأسيسية.

ومن هذه النصوص التأسيسية:

أولًا: قوله تعالى: {ورَحمتِي وسِعَت كُلَّ شيءٍ فَسأَكتبُها للَّذينَ يتَّقونَ ويُؤتُون الزَّكاةَ والَّذينَ هُم بآيَاتِنَا يُؤمِنُون} [الأعراف: 156]. فالآية تشتمل على مستويَين من الرحمة: أولهما “الرحمة الواسعة”، وهي الرحمة العامة التي لا يخرج عنها شيء من الكائنات؛ والمستوى الثاني من الرحمة هو الرحمة المخصوصة أو “الرحمة المكتوبة”، وهي تتعلق بأَتباع الشرائع والأنبياء. ويتكلَّم حجة الإسلام “الغزالي” عن الرحمة العامة، فيقول: “أمَّا عُمومها، فمِن حيث شمولُها المستحِقَّ وغيرَ المستحِقِّ، وعَمَّ الدنيا والآخرة” (المقصد الأسنى).

ثانيًا: قوله تعالى: {الرَّحمَنُ علَى العَرشِ استَوَى، لهُ مَا في السَّماوات ومَا في الأرضِ ومَا بَينَهُمَا ومَا تَحتَ الثَّرى} [طه: 5-6]. اسم الله الرحمن، قد غلب واستعلى فوق سائر أسمائه الأخرى كالجبَّار والقهَّار، والعرش هو اسمٌ جامع يشمل ملكوت السماوات والأرض وما فيهما من الكائنات، وهكذا فإن عنوان الوجود كله الرحمة. فاسمُ الرحمن هو المصدر والمنبع، لكل رحمة وإحسان بين الخلق: {فبِمَا رَحمَةٍ منَ اللَّهِ لِنتَ لَهُم ولَو كُنتَ فَظًّا غلِيظَ القَلبِ لَانفَضُّوا مِن حَولِكَ} [آل عمران: 159].

ثالثًا: قوله تعالى: {ومَا أَرسَلنَاكَ إلَّا رَحمةً لِلعَالمِينَ} [الأنبياء: 107]. فالغاية العظمى التي من أجلها بعث الله رسوله، هي الرحمة التي تتعلق بعموم “العالمين”، قبل أن تختص بمن اتَّبع شريعةً بعينها. فالله “رب العالمين” لا بد أن يكون بالضرورة هو “الرحمن الرحيم”.

اِنتقد القرآن حَصْر الرحمة والنجاة في أتباع دين بعينه، وأرجَع علّة هذا الاستحواذ الجائر إلى الإقصائية العَقَدِيَّة (انظُر سورة البقرة، الآيات: 111-113). فلو كانت الرحمة مقصورة على أتباع ديانة أو طائفة بعينها، لمَا كانت رحمة الخالق سوى رحمةِ “أقلية”، ولكان ذلك يعني أن رحمة الله لم تَسبق غضبه، وأن رهان الشيطان على ضلال الإنسان قد نجح.

ونجد في القرآن نصوصًا “مسكوتًا عنها”، يحضُّ الله فيها المؤمنين على المغفرة في الأمور العَقَدِيّة، كما في قوله تعالى: {قُل للَّذينَ آمنُوا يَغفرُوا للَّذينَ لَا يَرجُونَ أَيَّامَ اللَّه} [الجاثية: 14]. فهل يَطلب الله من المؤمنين المغفرة لِلَّذين لا يرجون ما وعد اللهُ به، ثم لا يغفر لهم يوم القيامة؟! وفي آية أخرى، يأمر الله بمقابلة المُكذّبين بالنبوة، بفتح أبواب الرحمة أمامهم على مصراعيها: {فإِن كذَّبُوكَ فَقُل ربُّكم ذو رَحمَةٍ واسعَةٍ} [الأنعام: 147].

يقتضي العدل الإلهي، القول بشمول الرحمة الإلهية لأهل الفترة الذين لم يأتهم رسول، كما هو حال أبَوَي النبي. ولا يقتصر مفهوم أهل الفترة على فئة محدودة بزمان أو مكان؛ وإنما يشمل كل مَن حالَ بينه وبين تبيُّن حقائق التنزيل حائل. أمّا القطع في قيام الحجة على الناس بدعوى ذيوع اسم الإسلام، فهو أمر يخالف الواقع الموضوعي، فالحجة لا تقوم بملامسة الكلمات للإسماع، وإنما بما يتبيّن للعقول من قوة البراهين، وما تستشعر به القلوب من صدق الدعوة وصلاح أدعيائها.

ليس ضلالًا أن نسأل الله الرحمة والمغفرة لمن يخالف العقيدة، كما فعل إبراهيم مع أبيه في الدنيا، والمسيح لأتباعه في الآخرة -حسبما ورد في خواتيم سورة المائدة-، ولكن الضلال هو أن نتمنى الهلاك والعذاب لهم في الدنيا أو الآخرة. وفي إشارة بليغة، يؤكد القرآن أن البحث في تحديد مصائر الناس والقول بهلاكهم، هو من أخلاق أهل النار: {وقَالُوا مَا لنَا لَا نَرَى رجَالًا كنَّا نعدُّهم منَ الأَشرَارِ} [سورة ص: 62].

اِنتقد القرآن من جعلوا رحمة الله رهن أيديهم فقال: {أَهُم يَقسِمُونَ رَحمَةَ رَبِّكَ نَحنُ قَسَمنَا بَينَهُم مَعِيشَتهُم فِي الحيَاةِ الدُّنيَا} [الزخرف: 32]، وهذا يعني أن تقسيم الرحمة بيننا هو من اختصاص الله وحده، ولا طاقة للإنسان بأن يقطع بهلاك أحد أو بنجاته، ولكنه كما يرجو لنفسه بأن يعامله الله برحمته، فهكذا يجب أن يرجو الرحمة لعموم خلقه. ومن الأحاديث التي أكدت شمول الرحمة، قوله عليه السلام: “والَّذي نَفسي بيدِه، لا يضَعُ اللهُ رَحمتَهُ إلَّا علَى رحيمٍ، قالوا: كلُّنا يرحمُ، قال: ليسَ برَحمةِ أحدِكُم صاحِبَهُ، يرحَمُ النّاسَ كافّة” (رواه أبو يَعلَى). وقد جسّد عليه الصلاة والسلام هذه الرحمة، عندما عفَا عن المشركين من أهل مكة قبل أن يؤمنوا بالإسلام.

وإنْ كانت الرحمة الإلهية قد وسعت ذلك الرجل الذي “لم يعمل خيرًا قط”، وكان يشك في البعث والقيامة (صحيح مسلم)، فكيف بمن يعمل الخير ولم يتبين له حقائق التنزيل؟!

اللهم، إنك تَعلم أن لك عبادًا خفيت عنهم حقيقة معرفتك، ولم يتبين لهم الحقُّ عنك. اللهم، ليس لهم بين يديك سوى نظرة “الرحمن” في صدق قلوبهم، وميزان “العدل” في الخير الذي بذلوه بين خلقك.

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.