الرئيسية > رأي عام > مقالات > نظرة القرآن إلى الإعاقة الجسدية
نايلا طبارة (لبنان)

نظرة القرآن إلى الإعاقة الجسدية

الخميس ٢٠١٨/٩/١٣م   |   ١٤٤٠/١/٣ هـ

لَحَظ القرآن الكريم موضوع الإعاقة الجسدية. وعالج النصُّ القرآني هذا الموضوع بشكل رباعيِّ الأبعاد. فمن ناحية: لَحَظ وضعيّة الإعاقة، وأعطاها رُخصًا تخفيفيّة. إلَّا أنه من ناحية ثانية: حثّ الشخصَ ذا الإعاقة على المجاهدة. ومن ناحية ثالثة: حثّ الجميع على العمل من أجل الدمج المجتمعي؛ مقدِّمًا مِن ناحية رابعة: الشخصَ ذا الإعاقة الجسدية، وكرامتَه، على الوجهاء والأغنياء في المجتمع.

فمن الناحيتَيْن الأولى والثانية، يعطي النصُّ القرآني الشخصَ ذا الإعاقة أو ذا المرض، رُخصًا لتخفيف الأوامر عليه، إلّا أنه يَحثّه في نفس الوقت على الاستمرار في محاولة العمل: {ليسَ على الأعمَى حرجٌ ولا على الأَعرجِ حرجٌ ولا على المَريضِ حرجٌ ومن يُطعِ اللَّهَ ورسُولهُ يُدخِلهُ جنَّاتٍ تجرِي من تَحتِهَا الأنهارُ ومن يتَوَلَّ يُعَذِّبهُ عذابًا أليمًا} [الفتح: 17]. وبهذا الحثِّ على محاولة العمل، يعطي النصُّ القرآني الشخصَ ذا الإعاقة أو ذا المرض، دافعًا إلى عدم الانزلاق نحو التَّقوقع والاستسلام للضعف الظاهر، إنما إلى متابعة السعي.

أمَّا من الناحية الثالثة، ففي الآية 61 من سورة النور مثلًا، يَذكر النصُّ أعمَى، وأعرجَ، ومريضًا، وكلَّ الناس، بشكل مُتَتالٍ ومُتساوٍ؛ بهدف دمج جميع فئات المجتمع وتضمينها: {ليس على الأعمى حرجٌ ولا على الأعرَجِ حرجٌ ولا على المرِيضِ حرَجٌ ولا على أنفُسِكُم أَن تأكُلُوا مِن بيوتِكُمْ أو بُيُوتِ آبَائِكُم أَو بيوتِ أمَّهاتكُم}. ويَستنتج الباحثان “ميساء بزنا” و”طارق حطب”، في دراسة لهما عن الإعاقة في القرآن، أنّ المفهوم الذي يواجهه النص، هو “التهميش الذي يمارسه المجتمع على الأشخاص، الذين ليس عندهم المواصفات الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو الجسديّة، التي يعطيها الناس قيمةً في زمان ومكان معيَّنَين”.

وتتجلّى هذه المواجهة من الناحية الرابعة، في قصة عبد الله بن أُمِّ مكتوم، الذي نزلت فيه الآيات الأولى من سورة عَبَس: {عَبَسَ وتَوَلَّى، أن جاءَهُ الأَعمَى، ومَا يُدرِيكَ لعَلَّهُ يزَّكى، أَو يذَّكَّر فتنفعهُ الذِّكرى} [عَبَسَ: 1-4]. وفيها أن عبد الله بن أمِّ مكتوم، وهو ضرير، أتى النبيَّ طالبًا منه أن يعلّمه من القرآن، في حين كان النبي في نقاش مع كبار مكّة الرافضين لرسالته. وعندما أعرض عنه النبي ليُكمل نقاشَه ذا البُعد الإستراتيجي، نزلت عليه هذه الآيات، التي بيّنَت أنّ البُعد الإستراتيجي للرسالة الإسلاميّة ليس باستمالة عظماء القوم فقط، بل بِصَون كرامة الشخص ذي الإعاقة وتقديره أيضًا.

بعدئذٍ، أصبح عبد الله بن أمِّ مكتوم من الصَّحابة الأجِلَّاء، وأُوكِلَت إليه مسؤوليّة مؤذّن رسول الله في مكّة. وأيضًا استخلفه النبي في إقامة الصلاة في المدينة، وعلّمه القرآن، فكان يقرأ القرآن على الناس. وقد طالَب هو بِدَوره بأن تكون له مسؤوليّات، ليس فقط في أمور الدين، ولكن في الحرب أيضًا، قائلًا: “اِدفَعُوا إليّ اللِّواء، فإني أعمَى لا أستطيع أن أَفِرّ، وأقيموني بين الصَّفَّين”، أي أنّه طلب أن يَحمل لِواء المسلمين في المعارك، وبقي على ذلك بعد رسول الله، إلى أن استُشهد في معركة القادسيّة في العراق.

قِسم كبير من مجتمعاتنا، لا يزال بعيدًا كلّ البعد عن هذا المبدأ، وعن هذه الإستراتيجية القرآنيّة. فيتفشّى في مجتمعاتنا استعمال كلمة “مُعاق” كشتيمة؛ ما يجعلنا نُضطرُّ إلى استعمال عبارة “ذوي الاحتياجات الخاصّة”، بدلًا من كلمة “مُعاق” أو “ذو إعاقة” لتلطيفها، في حين النصوصُ العالميّة المدافعة عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقات، تسمِّي الأمور بأسمائها. وهناك اتجاه جديد اليوم في هذه النصوص، وهو استعمال عبارة “أشخاص في وضعيّة إعاقة”، بمعنى أنّ الشخص موضوع في وضعيّة إعاقة، لأن المجتمع لا يؤمّن له أو لها إمكانية التنقّل، والوصول إلى الأمكنة التي يريد الذهاب إليها، ولا الوصول إلى المعلومة التي يبحث عنها لتحقيق ذاته وتفعيل قدراته.

إذًا، مسؤولية الجميع المجتمعيّة، هي حملُ هذه الإعاقة معًا، ليس فقط بتأمين ما يحتاج إليه الأشخاص ذوو الإعاقة، من بُنًى تحتيّة وتِقْنِيَّات تساعدهم على تنمية طاقاتهم، ولكن بالعمل على فتح الأفق أمام كلّ شخص ذي إعاقة؛ لتحقيق ذاته كفرد له مسؤولياته وآماله وأحلامه، ولتفعيل دوره في بناء المجتمع والعمل للخير العامّ.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.